عرض أحدث 3 من 7 من المشاركات بداية من أكتوبر 2009. عرض المشاركات الأقدم
عرض أحدث 3 من 7 من المشاركات بداية من أكتوبر 2009. عرض المشاركات الأقدم

نشيج الأطلال ( 4)

31 أكتوبر, 2009 · 0 التعليقات

تعصف بي الذكريات
نحو سحيق الزمان
وتطير بي آهاتي
لأتعلق بسعف النخلة


نخلة كانت بالأمس فتيّة يغمرها أريج الصبا ، واليوم أراها قد يئست من المحيض وبهتت أغصانها .. وذاك الجذع الذي كان غضاّ ندياّ شاخ وهَرٍم ..


-------------------------
وأظل واقفاً بباب الدار لعلها تناجيني أو تبوح بشيء من الذكرى ، أطرقت رأسي ساكناً وكأن الطير على رأسي .. أتخيل تلك الحجرات الطينية ، و (الزير ) في فناء الدار ، وتلك (الصفّة) التي كانت مجلس سمر لأهل الدار ، أتخيل تلك ( الجصّة) التي يفوح منها شذى التمر وعبق الدبس .. أرمق ذاك ( النبر) الذي تغازل فيه الشمس أهل الدار .. وذلك (الوجار) االذي يبعث الدفء في أبدانهم حينما تلفحهم سياط القرّ ..

كل مايلوح أمام ناظريّ .. دمار في دمار ..


توالت أيادي الأيام تباعاً على هذا المكان هدماً وإمعاناً في تأليب العوامل الطبيعية لتقويض قوامه ..


ولم يبق شيء يطرق هذا السكون

أو ينطق هذا الصمت الرهيب المطبق


تراجعت إلى الوارء قليلاً

علّني .. أجد أثراً من حياة .. أو أسمع صوتاً خافتاً لمن ساقته أقدام الحنين مثلي من أهل هذه البيوتات كي يشعل فيها جذوة الأمل ، ويقوم بإجراء شيء من التنفس الصناعي علّه يسمع شيئاَ من نبض ..
غير أن .. الحياة في واد ، وهذا المكان .. في وادي آخر ..




ومكثت هنا فترة من الزمان .. لا ادري هل كانت ثوانٍ معدودات ، أم أيامٍ ضاعت في الترحال عبر الماضي ناسياً كياني فهيج ذلك ذكرياتي وأضرم النيران في دواخلي ...

هاج الحنين

وماجت بحور الشوق هادرة

أفكاري باتت كسفن أوهنها عناء الترحال ، لتعصف بها رياح التغيير التي طالت كل شيء هنا ، ولتقلبها رأساً على عقب

في زخم بحر الحياة .. بموجه العاتي ، تسوقه الرياح العاصفة بلا هوادة ..لتتقلب تحت المياه الداكنة في عمق بحر الترحال الذي أودى بنفسيتي هنا في الدرك الأسفل في بحر الشجون


ماأراه هنا .. رأيته من قبل وسأراه من بعد .. حينما أجول بين هذه الاطلال .. لقد تبلد الوجدان
وفقدت الاحساس بما حولي .. تخونني التنهدات وتخذلني الزفرات
فقد تشبعت بهول الموقف
ولوعة الحنين
الماضي قد فات ومات
ولكن بقي قلبي بشجونه وحنينه في زاوية مظلمة من زوايا إحدى البيوتات التي بليت عضامها وجفت مآقيها
منظر آخر
بات عاديا بالنسبة لي
الجصّة .. وما ادراك مالجصة ، يوم أن كانت الدنيا بخير ، وأشجار النخيل وارفة والمياه تتدفق رقراقة في سواقي المزارع ، والأمطار كانت تتعاقب تباعاً تخضّر ما اصفر وتينِّع ما أشرف على الذبول .. كانت عذوق النخل تتدلى كالجمان في بساتين القرية وحينما يحل موعد الصرم ، تتكدس تلك العذوق في تلك الجصص ..كانت الخير وفير وكانت القرية في ذلك الحين في ريعان الصبا والشباب قبل أن يدركها المشيب ، ويغادرها أهلها إلى مكان أكثر فتوة وشباباً .. وهكذا حال الدنيا


وأطل برأسي عبر هذا الباب
فأجد حلكة بداخل هذه الدار
تنقبض نفسي وأنا اشاهد كيف تحول الحال
بيد أني أرى بصيص من نور في أفق الدار
فلعله بشير خير
لمستقبل مشرق واعد لهذه الدار
وأن يهب أهل القرية لعمارتها من جديد
وتعود الحياة كما كانت من قبل
ولم استغرب هذا التصور
ففي آخر الزمان
سيقفز الماضي فوق الحاضر ليكون ماضينا هو مستقبلنا .. ( هل أنا أهذي هنا أم لا ؟؟ ) دعوني من هذه الكلمات .. فقد تكون أضغاث أحلام يقظة ..


غادرت تلك الأطلال ، وغدوت أغذ الخطى تلو ذاك المكان الذي لازال فيه نبض من حياة .. حيث بات مابقي من بصيص ضياء من الماضي مسلطاً عليه قبل خفوته .. وهو جامع ( البلاد) ، الذي كان ملتقى أهل القرية في يوم الجمعة والذي كان عيداً اسبوعياً بحق ذاك الوقت..
أما النساء وخاصة الكبيرات في السن فلم أنس جلوسهم خارج المسجد .. قد توسدن الزوايا وافترشن التراب ..
أما اليوم فغدا المكان شاهداً لهم ، وزوايا القرية تبكي فراقهن ، ليس عن هذا المكان فحسب .. بل عن هذه الدنيا ، رحمهن الله وأسكنهن فسيح جنانه ..
ثم أرنو صوب الجامع ، وأشرف على برادة مياه المسجد حيث كان يتحلق حولها الصبية في زمن سلف، كان البعض منهم ينتظر إقامة الصلاة ، فإذا فرغ الامام من خطبته ، وأقيمت الصلاة ، ولجوا المسجد كي يؤدوا الفريضة ..
بعد جولة قصيرة قرب جامع القرية ( جامع البلاد) واجتذاب شيء من الذكريات
توجهت إلى المزرعة التي تقع خلف الجامع من الجهة الشمالية وكانت تسمى بـ ( الخنساوي) ، كانت واحة وارفة ظليلة تجري فيها المياه الصافية الزلال وكانت حياتها رغيدة ، وكانت بستاناً عامراً وارفاً ، حينما بلغتها لم أعد أتذكر شيء مما كان سابقاً ، ولم أعد أتذكر تلك المسارات التي تتفرع يمنة ويسرة .. كنت أسير على غير هدى حتى اقتربت من بئر الخنساوي


هذا هو الحال اليوم - الخنساوي - بدا شاحباً ورهين الأسر بين نبتات الأشواك والحشائش الصفراء التي أحاطت به من كل جانب ..كيف تغيّر الحال بهذه السرعة .. سبحان الله!
وهنا .. اقتربت من البئر وتذكرت أسطورة كانت تنسجها لنا أمهاتنا لتخويفنا من الاقتراب من الـ ( قليب ) وهي اسطورة ( خروف السلّة) ، والذي كنا نتخيله وحشاً مرعباً له قرون واعين مخيفة .. يطل علينا من داخل البئر ..
وآه على آه .. بساط أصفر ، أين ذاك الأخضر ؟؟ حينما كانت المياه تغمر أرض البستان .. كانت هنا حياة .. أتأمل هذا المنظر الرهيب الذي حل بالمكان مع مرور الزمان .. ثم بدأت أصبِّر نفسي علّني أجد شيئاً من حياةٍ في هذا المكان ..
ووصلت إلى البئر وبدأت أنادي ( خروف السلّة) أين أنت ؟ رحم الله أياماَ كنا نتوجس فيها خيفة منك .. هل رحلت مع من رحلوا؟؟
البئر شاحبة ، والمياة .. أين المياه؟؟؟ لم ألق نظرة داخل البئر لعلمي لوأن هناك مياه بداخلها ماجف الزرع ونشف الضرع ..
نخلتين باسقتين
ومن المؤكد أن مياههما تجلب من خارج هذا المكان الذي رحلت البهجة والحياة عنه
فلله دره من سقاكما وتأمل الخير في هذا المكان الغابر
وبدأت أحاور نفسي .. لازالت هناك حياة؟ فأجيب .. أجل ! لازالت هناك حياة .. في ظل وجود من يحرص على إبقاء جذوتها مشتعلة حتى آخر رمق ..
فتسائلني نفسي .. ولكن لايوجد أحد هنا..
فأجيبها .. الا يكفي وجودي في هذا المكان ؟ ووجود هاتين النخلتين ؟؟ ووجود من يسقيهما ..
لاتيأسي يانفس .. فالخير قادم باذن الله
والحياة ستعود أجمل مما كان ..
وأسلك مساراً آخراً لا أتبين أثراً له ، إلا أن شجوني ودقات قلبي تسوقني قد تبينته .. هنا كانت ( منحاة) كنت قد وصلتها في ذلك الماضي الجميل مع أحد الأصدقاء .. كنا قد خرجنا من المدرسة وكانت الدنيا تعصف بها الأمطار .. كانت البهجة تملأ إفئدتنا .. وصلنا إلى (المنحاة) التي لم نستطع تبيّن معالمها بسبب غزارة مياه المطار التي فاضت على جانبيها .. كان الخطر محدقاً بمن يدنو من ذلك المكان .. إلا ان حبنا وتعلقنا بالحياة آنذاك .. قد أسدل عن أبصارنا كل نافذة تشرف على الألم والغم..
ورفعت بصري إلى السماء
أتامل هاتين النخلتين
فلعلهما تجيشان لي باستشرافهما للحال التي قد تلي هذا الواقع المرير..
ثم عدت أدراجي ثانية ، وقد تهيأت لمغادرة هذا المكان الذي نضح في قلبي المزيد من الهموم والمواجع.. ودعت هذا البستان ، وانا اردد قول الشاعر ..
ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه *** وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأعيني مستهلات وأدمعه ..

نشيج الأطلال ( 3 )

30 أكتوبر, 2009 · 0 التعليقات



ومابين هذا المكان .. وذاك المكان .. تركت الذكريات آثاراً غائرة .. بعدما أنشبت أظفارها في فؤادي المتيم بعشق ما فات .. تلك الأظفار التي لم يبرد حر جراحها إلى يومي اليتيم ..




أنتقل من بستان إلى آخر .. ومن مساحة إلى أخرى .. ولست بحاجة لمرّي أو قصّاص للأثر كي أسترشد منه عمّا جرى وكان .. فكل ذكرى ترتمي أمامي أينما رنا بصري ..




يممت وجهي من تلك المزرعة العامرة سابقاً .. إلى ساحة أخرى من ساحات قريتنا .. وتسمى تلك الساحة بـ ( الضرغامي ) .. وكم من معالم وآثار إحتضنتها تلك المساحة من قريتنا على مر السنين ، كانت ساحة تحيط بها البيوت الطينية من بين جوانبها ، ويقف على مشارفها تلٌ رملي صغير يسمى ( النقــا) . ولقد كانت تلك الساحة ملتقى فتيان القرية ، خاصة وقت المساء حيث يحلو السمر ، ويطيب اللقاء .. وإلى جوار تلك تلة ( النقا ) يقع مصلى العيد القديم في ساحة ( الضرغامي ) وتقع وراء ظهره مقبرة الديرة القديمة .. كان ( الضرغامي ) مكاناً للعب الكرة والتسلية كما المشاكسات البريئة بين فتيان القرية .. وهناك أيضاً يقع أحد الشعاب التي تحتضن السيول الجارية حيث تتداخل مع ساحة ( الضرغامي ) ، وحينما ينزل المطر .. يتحول المكان إلى بحيرة من مياه السيول ، أما وقت الأعياد.. فيغدو للضرغامي شأناً آخر ! ، تبتهج الساحة بتوافد الجميع صغاراً وكباراً ، رجالاً ونساءاً إلى مصلى العيد ، فيتردد صدى تكبيرات العيد وأداء الصلاة في الضرغامي .. وتتداخل أصوات الألعاب النارية التي يلهو بها الفتيان مع تلك الأجواء الروحانية والتي لا تحرك في المصلين ساكناً أو تسبب لهم إزعاجاً أثناء أداء صلاة العيد ..



الجانب الغربي من ساحة الضرغامي حيث تبدو بعض المنازل التي كانت تتوهج بالحياة ، وبنور من سكنها قبل أن يخبو المكان بفقدهم عليهم رحمة الله .. ويبدو أسفل الصورة إلى اليسار ذلك (الشعيب) الذي يلفظ أنفاسه في الضرغامي ، ومن بين تلك الذكريات التي بدأ يراعي يستلها من ذهني ، ماكان يقوم به البعض من صبيان القرية وكنت من بينهم حيث كان يحلو لنا اللهو في ذلك الشعيب وننثر الرمال من إحدى ضفتي ذلك (الشعيب ) في محاكاة للسيول التي إعتدنا رؤيتها تتعاقب في ذلك المكان .. آنذاك !..



وهنا الجانب الجنوبي الشرقي من الضرغامي حيث يبدو مصلى العيد سابقاً قبل بناء المصلى الحديث في البلدة الحديثة ( المخطط ) الذي تقام فيه الصلاة في الوقت الحاضر .. أرمق الأحجار التي تشكل هذا المصلى فأرى فيها سمة البناء القديمة البديعة من تلك الأحجار المميزة باللون الأصفر ..ويبدو من وراء المصلى ( النـقــا)الذي يشرف على الضرغامي والذي كان نقطة تلاقي فتيان القرية وتسامرهم عليه مساءاً ، لازلت أتذكر الألعاب البريئة التي كان يحفل بها ذلك ( النـقــا) مثل الحفر التي يحفرها بعض الفتية حيث كانوا يتنافسون فيما بينهم على إحداث أعمق حفرة فيما ، وأحياناً إكمال تلك المتعة بدفن أجسادهم فيها ..
ومن بين تلك الأنشطة البريئة التي لازلت أذكرها ماكان يقوم به البعض من دحرجة لعلب الببسي الفارغة من أعلى التل إلى الأسفل ..
رغم بساطة الحياة ذلك الوقت وعدم وجود وسائل الترفيه الحديثة إلا أن تلك الألعاب الجماعية والفردية باتت تثير البهجة في النفوس..
وحين يقبل العيد .. يصبح هذا التل في صبيحة يوم العيد حصناً منيعاً يلهو فيه الفتيان بالألعاب النارية المختلفة .. والتي كانت فرقعتها تختلط مع تكبيرات العيد فتملأ الجو بهجة لم أعد آلفها في أعيادي هذا الأوان .. فيالروعة تلك الأيام !..





هنا تبدو ساحة الضرغامي بصورة أوسع .. حيث كان البعض يستمتع بممارسة لعبة كرة القدم والبعض في لعب الـ ( حبشه) أو المطاردة لبعضهم البعض هروباً من الآخر ..



وهذا هو الشعيب الذي ذكرته آنفاً والذي كان يلتقي في طرف ساحة الضرغامي من الغرب .. وكم من السيول جرت بين ضفتيه ، ظلت بعض الشجيرات شاهدة على حياته التي كانت سابقاً .. ولكن ولله الحمد لازالت الدنيا بخير .. فمع كل موسم ماطر يجدد هذا الشعيب ذكرياته مع تلك المياه المنهمرة من أديم السماء ليتلاقيان في جو حميمي يثير البهجة في النفوس لمرتادي هذا المكان موسم الأمطار ..



هنا .. تقدمت داخل ساحة الضرغامي جاعلاً مصلى العيد الذي في الصورة من خلفي .. حيث أنني بصدد التوجه إلى مكان ملأ الجو بعبق ذكرياته ، إلا أنه سيثخن الجراح في القلب ويمعن في كمد النفس ..



هنا .. تقف هذه البقالة والتي كانت نقطة إجتماع فتيان القرية فيما مضى .. . تحكي للزائر قصة حزينة من قصص الأمس ، حينما كان الجميع يتسامرون هنا ، ويتجاذبون الأحاديث الودية .. ليفترقوا عن هذا المكان بحلول المساء ، بعد أن توصد هذه البقالة أبوابها ..



واقتربت من هذا البقالة ، لعلي الحظ أتوجس في بدنها نبضاً أو التمس فيها شيئاً من حياة الماضي .. وتسابقني دقات قلبي .. لمعرفة كيف أصبح الحال هذا اليوم !




هذا هو حالها اليوم .. لم يبق فيها شيء من الذكريات سوى هذه الأنقاض التي تهاوت على أرضها غارزة آثاراً في النفس مع أنقاضها التي هوت بها مع ماضيها في أرض البقالة .. أين أنت أيها الماضي الجميل الا تكف عن الارتحال في كل حين ؟ حينما تجمعنا أجمل الأيام وأمتع اللحظات ، تخلفنا وراءك ، لتمعن في تعذيبنا بما تركته من ذكراك الأليمة؟
دوام الحال من المحال ..
لم أعثر على أي قصاصة من قصاصات الماضي التليد الذي لاح لي شعاعه في هذه البقعة المعتمة من هذا المشهد الوليد ، وخذلتني آمالي في أن الحظ أثراً للماضي داخلها ، أو حتى شيئاً من أثر لموطيء قدم ، حتى كلّت عيناي في إجتذاب طيف أثرِ لقدم من الصبية والشباب الذين أبهجوا هذا المكان وأحيوه في حين سلف .. كنت اعتصر غمّاً حينما أعود بالفكر أدراجه عقوداً سرت سريان النار في الهشيم وألقت برماد سنينها على شعرات رأسي التي لاحت كبياض للراءي مع شعاع الشمس ..

لم أنس لحظات تسامرهم في هذا المكان ، وقد كانت هذه البقالة أشبه بواحة ظليلة في قلب ساحة الضرغامي ، يلتقط فيها العابرين أنفاسهم ويبلون رمقهم ويتبادلون التحايا ويتجاذبون أطراف الحديث ، غامرين أجواءهم بالابتسام والضحكات البريئة التي خرجت من صدور لم تضنيها أكدار الزمان ولا فقد الأحباب او تحول الحال ..

واطرق رأسي ملياً ، ثم أيمم البصر إلى إحدى الزوايا المظلمة داخل البقالة فأتذكر حينما كنت وأحد الأصدقاء نتسامر هنا بعد فراغنا من أداء واجباتنا المدرسية .. حيث نأتي إلى هنا في بعض الأحيان .. ونتسلى بتناول عصير البرتقال ذو العلبة البيضاء POM بمعية بسكوت التين FIG ROLL حيث كانت سعادتنا لاتوصف وكأننا ملكنا الدنيا ..

لم أطل المكث في هذا المكان .. فلازال في القلب متسع لشيء من الكدر والغم ، آثرت توفيره في
مكان آخر ، لن يقل إيلام إجتذاب ذكرياته شيئاً مما حل بالنفس وأنا واقف بهذا المكان ..



وآه .. أيتها الدنيا .. ليتنا إذا تركنا ماضينا ، ورحلنا عنه ، جذب أطنابه معك وتركنا مولياً عنا دون أن يترك أثراً له يبقى ألمه غائراً في القلب مابقيت ذكراه ..



ثم غادرت هذا المكان ..



واصلت سيري ، تاركاً بقالة الذكريات من وراءي، لأدخل الجزء الغربي من القرية حيث تقبع المنطقة القديمة المعروفة بإسم ( البــلاد) بتسكين الباء واللام سوياً .. كان هذا المكان نائياً عن دارنا التي كانت في باب القرية ، ولقد كنا نحسب حساباً لهذا المشوار الطويل حتى نصل إلى ( البلاد) ..واليوم ، فبعد أن توالت السنين سراعاً كأنها إلى نصب توفض .. بت أرى هذا المكان وكأنه قابع إلى جوار مساكنا تلك .. ومضيت أغذ الخطى في جوف هذه السكة الضيقة ، لم تبد بهذا الضيق في عيناي من قبل ، ولكنها الأيام .. الأيام التي تتسع بمرورها آفاق .. وتضيق كذلك بمرورها آفاق .. تباعد الأحباب وتوسع المسافات بينهم .. وفي ذات الوقت تضيق الصدور بما خلّفت وراءها .. وتضيق المشاهد في أعيننا كذلك ..






مررت ببعض البيوت القديمة التي تهدمت وأصبحت أطلالً تحكي قصة الماضي السعيد ، يوم أن كانت تلك البيوت عامرة بساكنيها ، مومضة بأصحابها ، أما اليوم ، فبعد أن رحلوا عنها فقد آثرت الإرتماء على أحضان الأرض ولها نشيج وأزيز كأزيز المرجل ، لايشعر به إلا من عاصر أيامها الهانئة السالفة وشهد وضعها اليوم كيف كان ! وهكذا ستكون أجسادنا مثل هذا البيوت بعد أن ترحل أرواحنا عنها وتغادرها حيث ستخر فوق الثرى كما خرّت تلك المساكن الذاوية على عروشها .. رحم الله من كان ميتاَ من أهلها ، وأمد في عمر من كان حياً منهم ، وشفى وعافى من أعتل منهم ..




وبينما أنا سائر .. إذا باللهفة ولهب الفضول يدفعني أن أطل برأسي داخل إحدى حوايا الذكريات وصناديق الماضي ..لأجد الماضي يتحدث من داخل هذا المكان في الصورة أعلاه .. يا الله .. كيف تبدل الحال .. وأصبح هذا المكان في خبر كان .. لم أستطع أن أداري الأحزان وانا أتخيل أن هذا المكان كان يضم بين جنباته أب وأم وأطفال يلهون في هذا المكان .. كانت هنا حياة .. نعم ! كانت هنا حياة .. واليوم أرى الجسد ممداً أمام ناظري بلا حياة ..






وأطل برأسي من داخل أحد البيوتات التي كانت في أبهى مناظرها في زمن سلف .. وأدعك عيناي وأنا أرى هذا الحطام المتراكم والمنهار على الأرض .. أحقاً كان هذا هو الدَرَج ؟؟ ياسبحان الله .. يبدو أنه لم يستطع الصمود طويلاً بعد غياب أهل الدار .. فخر صريعاً على الأرض لأراه ممدداً ولعلي أسمع نشيجه إذا أصغيت السمع مليّاً ..


وشعاع الشمس بادي من فوق هذا الدرج فلعل الشعاع يحاول أن يؤنس وحدة هذا الدرج .. ومايدري هذا الشعاع أن الروح قد فارقت الجسد منذ سنين !..


خرجت من ذاك المكان .. وبدأت أجول بين بين تلك الأطلال وكاني أجول في مقبرة خاصة بالمنازل .. وأحادث هذه البيوتات .. هل تذكرين أصحابك الذين ضممتيهم بالأمس بين جنباتك؟؟ فلا الومك إن لم تجيبيني النداء .. فحتى لو خاطبتيني فلن أستطع فهم كلماتك التي لخبط النشيج حروفها ..




وعبر هذا المسار ، تذكرت الأيام التي بادت، حينما كنت أجري مع الصبية نحو بقالة في نهاية هذا الممر .. تسابقنا أنفاسنا لشراء حلوى وعصير من بقالة قبعت هناك .. يا الله .. رائحة المكان هي ذاتها التي كنت اشم عبقها في ذلك الحين .. أشعر بأني عدت إلى الماضي عبر آلة زمنية ..فوجدت من كانوا بهذا المكان قد ارتحلو بآلة زمنية أخرى إلى المستقبل وتركوني وحيدا.. أندب حظي في هذا المكان ..


هنا .. أنا والمنازل المتهدمة .. ولاسوانا هنا .. وكأننا في قاعة دراسية جالسون بصمت ، نستمع لأستاذنا ( الزمن الماضي الذي ولّى بدون رجعة ) يلقي علينا درساً من مادة الأيام الخوالي .. وكان عنوان الدرس .. مهارة الاستماع للنشيج..


تداخلت الأسوار فيما بينها .. وتعانق هذا السقف مع ذاك الآخر .. ومن بين تلك البيوت تراءت لي بعض القباب التي ظلت شامخة ثابتة على مر الأزمان ..


وبينما أنا سائر بين هذا المنزل وذاك السرداب .. إذا بي أسمع نداءاً خفياً .. .. أمعنت الأصغاء جيداً وتلفت من حولي لأتتبع مصدر الصوت .. فلم أرى سوى ذاك الباب الخشبي الصغير ..




ثم رفعت رأسي عالياً لأبحث عن مصدر الصوت فلم أرى إلا هذه الأطلال التي لا أدري إلى متى ستبقى صامدة على هذا الحال ..


أصبح المكان كله ينشج بالبكاء ، الأبواب ، المنازل ، السكك التي تتخلل بيوتات القرية .. أصبحت في عالم خيمت عليه الأحزان فلم يجد لغة يناجي من يمر هاهنا سوى أنات وآهات خلفتها صروف السنين


أستمريت في سيري بين بيوتات القرية ، وليستوقفني الفضول مرة أخرى ، فأطليت برأسي داخل إحدى البيوت المهجورة .. لأشاهد هذا البناء الصغير المميز ، فتذكرت الـ ( جـصـّـة ) .. يا الله .. كم كانت رائعة تلك الأفكار التي تفتقت عن أذهان آبائنا وأجدادنا .. كانت الجصة غرفة صغيرة مبنية من الجص وتحتل إحدى الزوايا الصغيرة في الدار .. وكانت أشبه بالفريزر في زمننا هذا ، يتم خزن التمور فيها ، ومن الأسفل هناك خزان صغير يتجمع فيه ماينزل منها من رحيق الـ ( دبس) ..


تاملت لو أن الجصة لازالت موجودة في زماننا هذا .. لقد نسيها الكثير من الناس ، وأختبأت ذكراها خلف كثبان السنين التي تراكمت من خلفهم .. فبرغم من إعادة البعض للتراث في وقتنا المعاصر بكامل تفاصيله ، إلا أن ( الجصة) أصبحت في غياهب النسيان ..



لم تخف طرقات فؤادي على باب صدري وأنا أجول بين هذا المكان وذاك


المكان يعج بالذكريات


والأنين لايكاد ينقطع من تلك المساكن


كان شوقي يحدوني أن أعود إلى الماضي وماحوى


وأمر بجوار أحد المنازل ، شده إنتباهي إليه هذا الباب المشرع.. فتأملت من مكاني حياة كانت تدور رحاها فيه ، واليوم .. أصبح الحال على هذا النحو .. فلم أتمالك نفسي كثيراً فطأطأت برأسي وأبتعدت عن هذا المكان قبل أن يثخن في قلبي المزيد من الجراح ..

وآه .. على دار حوت الضحكات والسمر ، حياة كانت تستوطن هذا المكان ،، وتقيم بأرض هذه الدار ، لقد ارتحل أهل هذه الدار .. وأصبحت الدار من بعدهم في خبر كان ..




وأطل برأسي داخل إحدى البيوتات التي غدت أثراً بعد عين .. لألمح هذه الدراجة الهوائية .. بل عظاماً بالية لدراجة هوائية لم ترتحل مع أهل هذه الدار .. وآثرت البقاء هنا بين أسوار هذه الدار .. في وفاء منقطع النظير ، حتى قضت نحبها في هذا المكان ..


ومن أطلال منزل إلى آخر


كنت أسير وأتعثر في خطاي ..


كانت أفكاري تحوم بين المنازل .. وعقلي أسير للذكريات .. فلم أعد أشعر بشيء مما تخطو فوقه الأقدام ..


أضحت خيالاتي وأفكاري أقدامي التي أحلق بها في سماء الذكريات




ومن بين ثنايا إحدى البيوتات


تبدت لي هذه السارية


لازالت صامدة وكأنها تواسيني قائلة


سأظل ممسكة بماتبقى من سقف هذه الدار حتى ماشاء الله


فأنا مثلك لم أعد أحتمل ماحدث وكان


وسأظل شاهدة لمن مر بهذا المكان


أنه لازال هناك أمل في الحياة


سأظل في مكاني حتى آخر رمق


ولا أدري إلى متى سأصمد على هذا الحال


فقد آلمت السنين ظهري وكأنها تجلدني على منكبَيّ لأخر على أرض هذه الدار ولألحق بما لحق بها من خراب




وأغادر ذاك المكان


وأسير في طريقي عبر هذا السرداب


وقد تناثر ت أشلائة أمام ناظري


أحتبس بداخلي زفرات أبت إلا أن ترتفع صرخات


يعج بها المكان


وتتردد أصداءها بين الأسوار والممرات


لقد كانت هنا حياة


أيتها الأيام التي خلت


أين أنت من يومنا هذا


لقد تبدل الحال


وتباعدت المسافات


وفقدنا الكثير من الأحباب


أجيبيني أيتها الأطلال


هل تذكريني


هل تذكرين؟.. حينما كنت أعدو من خلال هذا الممر


كنت يومها .. أحمل بقلبي الأمل ..


واليوم .. لا أراني أحمل بين أضلعي سوى .. الألم ..






وللحديث بقية ..


نشيج الأطلال (2)

29 أكتوبر, 2009 · 2 التعليقات

نشيج الأطلال
------------------------------------
( الجزء الأول على هذا الرابط http://www.abomshary.com/2009/10/1.html )
وإلى مكان آخر من قريتي ، توجهت جنوباً غير بعيد .. نحو ساحة الملعب الشاسعة التي أحاطت بها مدرستي القديمة والتي تحولت إلى متحف ، ومن الجهة الأخرى المدرسة الحديثة التي تلتها ، كان ذلك الملعب نقطة التقاء شباب القرية حيث كانت تقام المباريات فيما بينهم هناك ، كانت للرياضة مكانة خاصة لدى أهل القرية وخاصة كرة القدم ، ولاعجب أن اكتسبت أجسادهم القوام الممشوق ولقد أكسبتهم ممارسة الرياضة روحاً عالية ونشاطاً إجتماعياً رائعاً ..


ويقع في الجهة المقابلة لذلك الملعب ، المزرعة التي كانت تغذي بساتين القرية المختلفة بالمياه لوجود البئر وماكينة جلب المياه .. كان إسم هذه المزرعة ( الخيسية) ..


حينما قدمنا للقرية كنت أدرس مع أبناء القرية في إحدى المدارس البسيطة التي احتضنتها إحدى البيوت الشعبية الصغيرة ، ثم انتقلت مع التلاميذ إلى هذه المدرسة أعلاه والتي كانت المقر الثاني لدراستي في القرية .. لم أعد أتذكر الكثير من أيام الدراسة في هذه المدرسة ، بيد أني لم أنس جرعات التطعيم التي كانت توزع علينا ونحن داخل فصولنا حيث كنا نأخذها عن طريق الفم ، وربما كان لمرارة جرعات التطعيم أثراً في أن تبقى ذكراها في هذه المدرسة محفورة في الذاكرة على مر الثلاثين عاماً التي خلت ! .... كانت هذه المدرسة بنظرنا ونحن صغاراً كبيرة حينئذٍ ، واليوم فتبدو للعيان صغيرة بالفعل على أن يحتل هذا المبنى مساحة للمدرسة .. بعد ذلك إنتقلنا إلى المدرسة الجديدة النموذجية المجاورة عام 1401 هـ لإكمال دراستي في الصف الرابع الإبتدائي ..

واليوم فقد تم تحويل ذلك المبنى إلى متحف في القرية..

مدرستي التي انتقلت إليها من بعد المدرسة الأولى والتي كانت أحد المنازل الشعبية الصغيرة .. وبعدما قضيت فصلاً دراسياً في هذه المدرسة ، كان إنتقالي مع بقية أقراني من أهل القرية إلى المدرسة الحديثة ، والتي لازال تلاميذ القرية يتلقون فيها تعليمهم إلى يومنا هذا ..

بوابة المدرسة التي تحولت فيما بعد إلى متحف
وهذه هي مدرستي الأخيرة والتي لازالت تستقبل التلاميذ داخل فصولها الدراسية ، يالها من ذكريات جميلة لم ينسني إياها تعاقب الليل والنهار على مر السنين التي خلت .. كان عدد التلاميذ قليلاً بالفعل ، وكل فصل كان يضم بداخله صفين دراسيين، فالصف الثالث والرابع في فصل واحد ، فكان عدد الطلاب لكل صف لايتعدى أصابع اليد الواحدة لكل صف دراسي يشارك الصف الآخر ذات الغرفة .. كنا متوزعين عن يمين وشمال المعلم ( الصف الثالث والرابع) ، يلقي المعلم درسه في الجهة الأخرى من القاعة على تلاميذ الفصل الثالث ، وبعدها يأتي إلينا ويلقي درسه علينا ، كلا من الصفين يستمع شرح المدرس للآخر. في بعض الأحيان .. يقضي أحد الصفين الدراسيين بقية الحصة خارج الفصل عند انتهاء المعلم من شرح درسه لهم .. فيالبساطة تلك الأيام وحلاوتها !.. كانت الحميمية تسود أجواء المدرسة وتسري بين الطلاب ومعلميهم .. فلا عجب أن معظم المعلمين إن لم أقل كلهم من أهل القرية الصغيرة حيث كانت تربط الجميع علاقات قرابة ونسب وطيدة .. وكانت تلك الأيام لاتخلو من تشكيل الرحلات البرية الأنيسة ، حيث كنا نخرج مع المعلمين إلى إحدى البراري ليقوم المعلمون بجهودهم المشكورة بإعداد طعام الغداء من الذبح والطبخ والنفخ ثم يعيدونا بنهاية ذلك اليوم إلى منازلنا بعد قضاء أجمل الأيام الدراسية التي مرت علينا ..
لقطة أخرى للمدرسة الحديثة والتي درست فيها آخر سنة دراسية لي في القرية ، لم يبق مع هذه المدرسة شيء من الذكريات فتلاميذها التي كانت تحتضنهم بين جنباتها بالأمس قد طوتهم الدنيا عنها .. فتبدلت الوجوه غير الوجوه .. وتعاقب العديد من الأجيال ، الجيل تلو الآخر إلى يومنا هذا ، لكن بقي إثنان إلى جوار هذه المدرسة منذ ذلك الحين لم يغادراها ولم يتبدلا عن مكانيهما .. بل ظلا واقفين معها مؤنسيها لحظات الفراق ، فالرفيق الأول هو ذاك الجبل القابع خلفها .. أما الرفيق الثاني .. فهو ذاك الأبيض اللامع فوقها في كبد السماء !
بعد تلك التاملات .. وإجتذاب ماأمكن من نفحات الماضي الجميل ، رنوت ببصري إلى المزرعة الصغيرة التي كانت حاضرة بالأمس ، حيث كانت تتفجر حيوية عبر قلبها النابض ( ماكينة المياه) والتي كانت تضخ الدماء(المياه ) في شرايينها ( سواقيها) ، واليوم بعد أن نضبت الدماء .. هل تخالون أن القلب سيبقى على قيد الحياة ؟ أو أن تسري دماءه في شرايينه وتتوزع على باقي الجسد الذي أصبح جثة هامدة بلا روح !

كانت تلك المزرعة الصغيرة تسمى بمزرعة ( الخيسية) ، حيث كانت بستاناً وارفاً تندفع المياه من بئرها لتروي القرية وبساتينها المختلفة .. لم انس بئرها العميقة والتي كانت محاطة بهالة من الهيبة والوقار ، ولم أنس ذلك السير المتحرك والذي كان يلتف على ماكينة الماء ويضرب بقوة بكرة جذب المياه من داخل البئر ، لتصب عبر أنبوب الشفط داخل البركة الصغيرة ( اللزا) كانت تتجمع فيها المياه القادمة من ( القليب) حيث تتوزع بعدئذٍ إلى بقية أرجاء المزرعة والبساتين الأخرى .. أتذكرهذه البركة الصغيرة التي كنا نستحم فيها ونحن صغاراً ، ولم تكن هذه البركة قد استهوتنا نحن الصغار فحسب .. بل قد استهوت الرياضيين من لاعبي الكرة من شباب القرية حيث كانوا يتبردون بمياهها ويطفئون لهيب عطشهم بعد فراغهم من لعب الكرة في الملعب .. ولهذه البركة الصغيرة قاصديها من بعض النسوة من أهل القرية حيث كان بعضهن يقمن بالري وجلب الماء منها ، وأخريات منهن يقمن بغسل الملابس .. كانت تلك المزرعة الصغيرة واحة وارفة بحق ، واليوم ... فالحال قد اسحتال .. حيث غدت ، جسداً بلا روح .. فسبحان مغير الأحوال !
وهنا كانت الساقية الكبيرة التي تندفع من تلك البركة الصغيرة ( اللزا) ، واليوم لم أعد أرى أثراً لها ، لقد طمرتها عجلة الزمن وصرفتها خلفها للماضي مع تلك النخلات المتساقطة والتي تبكي منتحبة على تلك الحياة الرغيدة والجمال الذي كان ..
وهنا في هذا المكان .. كانت هنا ساقية كبيرة تصب فيها تلك البركة الصغيرة المجاورة للقليب ( البئر) ثم تنزل الهوينا على بعض العتبات كشلال صغير ثم تمتد داخل مزرعة ( الخيسية) لتتفرع منها سواقي المياه المختلفة والتي تتوزع منها للمزارع الأخرى بعد أن تكمل جولتها التفافاً بين جنباتها،
ولقد كنت أتذكر فيما مضى تلك اللحظات الماتعة حينما كان ملتقى انهمار الساقية على العتبات الصغيرة أشبه بحوض صغير كان يستهوي العديد من الصبية في الإستحمام داخله .. أما اليوم .. فلم يعد هناك أي أثر لها ، حاولت مراراً أن أتبين ولو شيئاً من معالمها فلم أستطع .. فأطرقت برأسي ملياً هنا وأنا أقول .. لقد كانت هنا ساقية ، ولقد كانت هنا حياة !
منظر للـ ( قليب ) البئر ، وبركة التجميع الصغيرة ( اللزا) ، ثم بدأت أستشعر بغرابة هذا المنظر أمامي .. كيف كانت هذه البركة الصغيرة تتسع لي ولرفاقي حينما كنا نستحم فيها ذلك الحين !..
صورة أخرى لـ ( اللزا) بركة التجميع الصغيرة .. لم يتبق شاهداً على قيد الحياة في هذا المكان سواها وهذه البئر العتيقة ..
سعدت أن ظلت بعض الصخور مكانها كي تجاذبني الحديث وتبث الأنس في روعي قليلاً ، ولكن ماهو شعورها اليوم لو نطقت ؟ هل ستبادلني نفس الشعور والإحساس عن هذا المكان الذي كان !
صورة للقليب التي كانت تملؤها المياه منذ زمن قد ولى بلا غير رجعة ، غارت مياهه ونضب من بعدما كان القليب القلب النابض لهذه المزرعة والبساتين المجاورة فأصبح جثة هامدة بلا حياة .. وقد يكون ذلك بسبب ندرة الأمطار ، وتأثير المزارع المجاورة للقرية والتي قد تكون سبباً في خفض منسوب المياه في المنطقة حتى عجزت أعماق بئرنا هذا عن اللحاق بها ليحصل ماحصل ..
وأقلب بصري تارة مابين البئر والبركة الصغيرة ومابين تلك الساقية في محاولة مني لتتبع أثرها .. ولكن دون جدوى ، فلم أرى سوى هذه النخلات قد ارتمت على الأرض وكأنها تبكي هذا المكان على ماحل به ..
توجهت بعدها داخل المزرعة الصغيرة ( الخيسية) وأنا أحاول استرجاع الذكريات ، ثم تذكرت أحد الآبار بالقرب من هذا المكان ، حيث كنت ورفيقي فهد نخرج عصرية منذ ثلاثة عقود للاستذكار وتناول الشاي والقهوة والتسلي بتناول المكسرات من الحب، فغذيت الخطا مسرعاً تلقاء تلك البئر والتي كانت تقابل (المنحاة) حتى تبينت مكان تلك البئر ، ورغم ماواجهني من العوائق من الكثبان التي تيبست ظهورها والرمال المتراكمة هنا وهناك وجذوع الأشجار وشجيرات الأشواك التي زاحمت بعضها البعض إلا أنني لم أشعر بوخزها ، حيث كان الشوق يحدوني وأنا أغذ الخطا مندفعاً صوب ذاك المكان..
صورة ل ( المنحاة ) ومن خلفي تلك القليب التي كنا نذهب إليها سوياً للاستذكار والتسامر وشرب الشاي ..

وصلت إلى تلك القليب ، وتذكرت تلك اللحظات الشيقة التي كنا نقضيها هنا سوياً .. كان إذا تملكنا الضجر قمنا نتسلى بالقاء الأحجار داخل هذه البئر ونشنف أسماعنا بصوت المياه التي تتراقص طرباً على وقع الصخورالتي ترتمي إلى جوفها..
أطليت برأسي داخل القليب ، فلم الحظ شيئاً من مظاهر الحياة .. سوى تلك اليمامة القابعة في الأسفل ..

ومن ذلك المكان انطلقت إلى البستان الآخر المجاور وهو بستان ( الخديّد ) ، كان يفصل الخديّد عن الخيسية ( شعيب) (البويطن) الذي كان يتهادى قدوماً من ( الضلع) جبل القرية .. فكان يبدو كالنهر الجاري أثناء موسم الأمطار .. واليوم فيبدو أنه أصبح مرتعاً للأشواك ومصيدة للأتربة والغبار ..
تذكرت ساقية حجرية أشبه بالجسر الصغير كانت تعتلي ذلك ( الشعيب) ، لم يتبق منها هذا اليوم سوى هذه الصخرة التي طمرها الزمان ..
كيف أصبح هذا حالها رغم مرور عقدين أو ثلاثة من الزمان ؟ رغم أن هناك العديد من الآثار ظلت على حالها أو نصف حالها بعد مرور قرون من الزمان وليس مجرد سنوات أو عقود ؟؟ لقد تحول الحال بشكل رهيب في فترة قياسية من الزمن .. ولعلي استشعر السبب من قول المولى جل جلاله ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) .. فلا حياة من دون ماء ..
نظرة على شعيب البويطن ويبدو إلى يسار الصورة ماتبقى من نلك الساقية الحجرية والتي كانت تجتاز الشعيب فيما مضى ..
لقطة أخرى لشعيب ( البويطن ) من جهة قدومه من الجبل ( الضلع) .. والذي يبدو في آخر الصورة ..

عدت أدراجي مرة أخرى إلى مزرعة ( الخيسية) بعد إسترجاع شيء من الذكرى .. وبدأت أتأمل البساط القاحل لهذه المزرعة الصغيرة بعد إذ كانت جنة خضراء وارفة من جنان الدنيا ، والحمدلله على كل حال
أرض جدباء .. هذا ماشاهدته مما تبقى من تلك الجنة الوارفة الظليلة ..
وقبل وداعي لهذا المكان ، ومع دنو الشمس نحو المغيب ، حبست ظل هذه الشويكات التي شعرت معها بقسوة الحياة في هذا المكان ، فلا الومها على قساوتها وعلى ماحملته من الإبر الحادة ، فقد فاتها ذاك الزمان الأخضر ولولا قسوة الحياة فلربما كانت وروداً زكية نضرة تعطر المكان بأزكى أريج .. وتمتع أعين الناظرين بأزهى الألوان ..
وللحديث بقية ..

ابحث في هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الساعة الآن بتوقيت مدينة الرياض

أوقات الصلاة لمدينة الرياض

اختيار المدونة :

اختيار المدونة :
موقع " وظيفة "يتميز بطرح إعلانات الوظائف الواردة في الصحف ووكالات الانباء وبصورة يوميـــــــة ( اضغط على الصورة)

وللأطفال أيضاً !

وللأطفال أيضاً !
يالله نتوب ، من أجمل وأحدث المواقع الموجهة للطفل

من نوادر العرب

من نوادر العرب
رُويَ أن الأعور بن بنان التغلبي دعى الشاعر الأخطل إلى منزله فأدخله بيتاً نجّد بالفرش الجميلة والأثاث الزاهي وكانت له زوجة في غاية الحسن فقال يسأل الأخطل ياأبا مالك إنّك تدخل على كبار القوم في مجالسهم فهل ترى في بيتي عيباً؟.. فأجابه الأخطل: ماأرى في بيتك عيباً غيرك !!

حالة الطقس لمدينة الرياض

سيرة يسيرة : الخنســاء

سيرة يسيرة : الخنســاء
هي -أم عمرو- تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السليمية الملقبة بالخنساء... من أشهر شاعرات العرب. وقد أجمع علماء الشعر أنه لم تكن امرأة أشعر منها وشعرها كله في رثاء أخويها معاوية وصخر . وأنشدت الخنساء في سوق عكاظ بين يدي النابغة الذبياني وحسان بن ثابت فقال لها النابغة (اذهبي فأنت أشعر من كل ذات ثديين. ولولا أن هذا الأعمى (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم ، قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم، وأعلنت إسلامها ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنشدها ويعجبه شعرها وكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خناس - وهو يومي بيده) . وعندما أخذ المسلمون يحشدون جندهم ويعدون عدتهم زحفا إلى القادسية كانت الخنساء مع أبنائها الأربعة تزحف مع الزاحفين للقاء الفرس وفي خيمة من آلاف الخيام،جمعت الخنساء بنيها الأربعة لتلقي إليهم بوصيتها فقالت: يا بني أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعده الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم متبصرين بالله على أعدائه منتصرين، فلما أصبح الأبناء باشروا القتال واحداً بعد واحد حتى قتلوا فأخذت تتلقى أخبار بنيها وأخبار المجاهدين ولمّا جاءها النبأ بالاستشهاد فقالت وهي المرأة المحتسبه والصابرة الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ، توفيت الخنساء بالبادية في أول خلافة عثمان بن عفان- رضي الله عنه- سنة 24 هـ.

من هنا وهناك

من هنا وهناك
طريقة فعالة لاستخراج الصور المضمنة في مستندات وورد: دائما ما نطلب من الأشخاص الذين يقومون بإرسال مستندات وورد تحتوي على صور، القيام بإرفاق الصور كملفات مستقلة حتى يمكن استخدامها مباشرة من دون اللجوء لطرائق أو برمجيات خاصة لاستخلاص الصورة من المستند. يضاف إلى ذلك أن برنامج مايكروسوفت أوفس بإصداراتها المختلفة لم توفر خاصية تمكن من فصل الصورة عن المستند. إلا أن ما يميز الإصدارة الأخيرة من برنامج الأوفيس 2007 أنها مبنية على تقنية XML ما يعني إمكانية الوصول للصورة المضمنة في المستند عن طريق إتباع الخطوات التالية: قم بتحويل امتداد مستند الوورد إلى امتداد . zip وعند فتح الملف باستخدام أحد برامج فك الضغط ستظهر لك عدة مجلدات افتح مجلدWord ، بعدها افتح مجلد (media) حيث يحتوي على جميع الصور المضمنة في مستند وورد على صيغة PNG والتي يمكن استخدامها مباشرة.
 

الحقوق محفوظة 2009 | أبو مشاري | خلاصة المواضيع | خلاصة التعليقات

تعريب ذؤيب | Copyright © 2009 - Blogger Template Designed By Simrandeep Singh