
على شاطيء الماء...
وتحت السماء الزرقاء...
وقف الطفل ممسكاً طائرته الورقية التي غدت تتمايل مع نسمات الهواء
يرمقها بعين متلهفة .. علّها من غفوتها تطير .. فتعانق الغمام ..
يناجي الطفل طائرته الورقية :
هيا ياطائرتي الورقية ..
هيا طيري .. طيري
وعلى متنك احمليني ..
فما غدوت في هذا العالم الرحيب شيئاً ..
أرقب البحر الهادر ..
فلا أجده يتسع لمراكب شِعري
ولا ليفي بخواطري الجيّاشة ..
غدوت أتأمل الأفق البعيد ..
فأراه أضيق من آمالي ..
وأتأمل السماء ..
فلا أجدها تطاول همتي وطموحي ..
إسمي بي طائرتاه فوق الغمام ..
علّي أجد مكاناً أجمل من هذا الشاطيء ..
وأرضاً أرحب من هذه الأرض التي ضاقت بها قدماي ..
إحمليني .. هيا احمليني ياطائرتي الصغيرة ..
ففي الكون أماكن أخرى جميلة ..
وقد تكون أسعد حالاً من هذا المكان ..
والذي بدأ يضيق عليّ من كل جانب ...
بدا للطفل وكأن طائرته الورقية تناجيه قائلة له ..
مه .. أيها الصبي !..
عجيب أمرك بالفعل ..
فلست أرى هذا العالم إلا رحبا ..
ولا أجد للأفق البعيد مدى ..
ولا لاتساع البحر نطاق ..
فكيف بالله عليك تريد أن تتجاوز عالمك ؟
يجيبها الصبي مطلقاً تنهيدة حرّى ..
آآآه لو تعلمين !...
حينما نستسلم لعقولنا وننطلق في تأملاتنا وآمالنا الطوال ..
يصغر هذا العالم في نواظرنا .. ونبدأ في البحث عن عالم آخر يتسع لطموحاتنا التي لا يحدها مدى !
تجيب الطائرة الورقية .. : إسمع يافتى ! .. يامن من جاوزت مقامك ..!
وتطاولت على شأنك ..
فغدوت ترى الكون أصغر من تأملاتك ،
بيدك أن تهجر كبريائك هذا .. وتعانق الغمام وتتجاوز المدى البعيد لو شئت .. فالكون أكبر من خيالاتك وتصوراتك ..
ينظر إليها الصبي متعجباً ..
كيف لي ذلك وطموحاتي تحاصرني من كل جانب ..
كل منها قد دُجِّجَ بالسلاح ،
كل منها يزعم أني في آخر الصفوف ..
وكل منها قد سن حربته ووجهها وراء ظهري
يشحذ همتي في المضي قُدُما حتى أعانق الغمام ؟
فتجيب الطائرة الورقية .. بربك أي جرم اقترفته حتى تُساق من قبل هذه الأفكار إلى عالمك المثالي الذي تريد ؟
لم أر في حياتي طفلاً أكثر طموحاً وشموخاً وغروراً منك ..
ارض بما قسمه الله لك ، ولاتطمح بأكثر مما أنت فيه .. فهذا نصيبك من الدنيا
وهذا قدرك فلاتتجاوز حدّك..
فيناجيها الطفل .. أتريديني أن أنظر إلى الوراء ؟
أم أتوقف عن استشراف المستقبل ؟
أم أضع حداً لطموحاتي التي تُعالي السحاب ؟
أم أكبح شعاع أملي من أن يصل إلى الأفق البعيد ؟
لاتنسي ياكيس الورق أنك من جماد لايشعر
وأنا من لحم ودم
فلست مثلك أسقط مع نسمة هواء
أو أحيد بهبّة ريح
أو أتمايل بإضطراب على غير هدى كلما اختلجت نفحة هواء جناحيك
فأنا صاحب طموح وهمة وعزيمة تذّل الصِّعاب .. وتدك الجبال ..
----------
يجبذ الصبي خيط طائرته الورقية بكل عنف
ثم يثنيها على بعضها بقوة ليكسرها على ركبته..
ليلقيها من بعدئذٍ على الشاطيء ..
مخلفها وراءه عائداً من حيث أتى .. حتى أختفى عن الأنظار ..
-------------


إرسال تعليق