الثلاثاء، 20 أبريل، 2010

لقد آن الأوان


ذات مســــاء ...


وصلت إلى الدار .. أدافع عن وجهي عاصفة عاتيّة ، وسط زمجرة الرعود ، وجَفناي .. قد أضناهما .. لفحُ السُموم .. ورشق التراب .. تحاملتا على بعضيهما ليدرءا عن نفسيهما وصب صباح ونصب مساء ..




وعيناي ؟!




عيناي كانتا في صراع مابين إشراع وإطباق ..




عانقت يدي مقبض الباب ، ولجت الدار .. وتمايلت بي قدماي لا أدري إلى أين أخلد .. حتى استقرت بي خطاي في جوف غرفة معتمة في نهاية الدار .. وقبيل الدخول.. إذا بي أسمع صوت صفحات تتوالى من كتاب


كانت أركان البيت موحشة ، نبضات فؤادي قد أصمت أذناي عن وقع خُطاي
وحينما وصلت إلى تلك الغرفة .. إذا بي أجده ماثلاً أمامي .. مستلقياً على كرسيه العتيق .. قد أحدودب ظهره .. وقد أثارت يد الزمن ملامح وجهه









رمقني للحظة .. ثم أدنا المحيّا ، ذلك المحيّا الذي تعرجّت وسط سهوله وهضابه أخاديد الزمان .. أرمق يمناه التي أمسكت طرف صحيفة يقلبّها الهوينى ..


سمعته .. يقول :




" لقد آن الأوان !! "

سمعته يقولها بصوت قد تشرب اليأس .. وأمارات البؤس قد أمعنت تعذيباً وإيلاماً في تبدّل ملامح ذلك الوجه الوقور ..




ثم أردف قائلاً :


"آن للمطر أن يرتفع إلى عنان السماء .. ويستقر في أحضان الغيمات .. حيث هَتن "


سمعته .. مرة أخرى ولكن .. بهمس :




"وسيعرُجُ شعاع الشمس لحضن أمه حيث أتى.. "


وكأني بي أرى أنفاسي تتعالى مع تعالي نبضات فؤادي لتستقر في أعلى الطِباق .. تهيم حائرة مابين الغمام والجبال ..



قال الشيخ :




" آن الأوان .. أن يودع الأريج ورده ، وأن تهجر خضرة الزرع أوراقه"






صَمَتَ لبرهة .. ثم تابع ذلك الوقور حديثه ..




" لقد فارق الظل صاحبه .. وتوارى وراء المدى البعيد "




.. يممت وجهي تلقاء النافذة المشرعة في الغرفة ، ثم سمعته يقول : " أنظر إلى السماء ! "






وحينما رنوت بصري تلو ديباجة السماء الحالكة ، إذا بي الحظ النجمات قد استغرقت في نوم عميق ، واستهلّت سباتها السرمدي ..


ضَحِلَ بريقها .. لتغدو قطعاً مدلهمّة في جوف الدجى البهيم ..



ثم سمعته يناديني : " أن ارنو صوب البدر ! "




يممت البصر تلقاء البدر ، فإذا بي أجده قد توسد الأنجم ، وتلحّف بالغمام ..
دنوت من منضدة بالية .. وُضِعَت عليها حزمة أقلام .. وديباجة قرطاس قد تكدّر لونها فلم أعد اميز حمراء هي أم كانت بيضاء أعتمتها كدرة الأتربة والغبار ؟!


قبضت القلم .. وبدأت أنثر المداد .. فإذا بالنقاط تفارق الحروف .. وتجف شرايين اليراع .. أحاول أن أضم القلم براحة يدي .. وكأني به يقاوم هذا الضيف الثقيل الذي احتوى جسده..


رميت القلم .. وأمسكت بالقلم ، ثم القلم ، فالقلم .. وعبثاً أحاول .. لقد تجمدت الدماء في شرايينها ، ثم غدوت لليراع الوحيد الذي بقي لي منها .. أحكمت قبضتي حول جسده النحيل ..كي لا يتوارى كغيره ممن سبقوه .. وبدأت أمعن في القرطاس ثم أمسكت به كي ينزف بما ثار في كياني ، وما أن أستهليت الكتابة ، حتى أغرورقت عينه بالبوح .. ثم إذا بي أجده كسيرا في يدي ..

وحينها ؟!!


القيت به بعيداً.. بعيداً ..


وفي الواقع .. لم تكن يدي التي القت به .. بل يد الغضب والنقمة والألم .. واليأس ..


ثم ليستقر ذلك القلم الأخير في زاوية الغرفة .. وهو ينظر إلى شزراً .. وكأني به يحادثني قائلاً : إنّ غداً لناظره قريب ! لأراه يحملق بي وكأنه يتوعدني .. بعد أن سامته يدي ضيق الخِناق ..



أحنيت ظهري للخلف ثم بدأت أسمع صوت صفحة أخرى قد طوتها أنامل ذلك الشيخ المسن .. وتأهبت جوارحي وغدوت مطرقاً السمع من جديد ..


فإذا به يهمس ثانيةً ! :




"وفي الختام .. أسدل الدجى ستاره الكثيف .. وادرك الفارس أن خوض غمار الوغى قد أصبح الان من المستحيل .. .. من المستحيل .. .. من المستحيل .. "


فتلاشى ذلك الطيف االماثل أمامي من حيث أتى تلقاء زمن سحيق ، ولأبقى وحيداً في منزلٍ مهجور وسط سكون مطبق ..





مزقت السكون حينها.. زمجرة الرعود ، وفحيح الرياح .. وهدير العواصف .. التي تعصف خارج الدار..

هناك 4 تعليقات :

  1. (جديد المواقع)5 مايو، 2010 1:51 ص

    أشكرك على هذه المدونة الرائعة

    ردحذف
  2. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  3. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  4. شكراً لكم جميعاً على حضوركم الكريم
    تشرفت بوجودكم في المدونة
    تحياتي

    ردحذف