الثلاثاء، 25 مايو، 2010

شعاعٌ اخترق الماء



واصلت السفينة إبحارها وسط صفحة المياه الهادئة اللامتناهية ..
ثم تبدى في الأفق البعيد خيال جزيرة خضراء مورفة ..
فأطلق الركاب تناهيداً ظلت حبيسةً في صدورهم طيلة الرحلة ..
تعجًل الرُبّان في شحذ همة المركب
علّة يصل قبل وقته المُحدد.. وفجأة ودون سابق إشعار من موجٍ عابر أو هبّة هواء ...
إذا بالريح تعصف ناحيتها ..
والبحر يمور في استجابة لقوة الريح المرسلة ..

وتتماوج المياه بقوة

وتضرب ذلك الجسد الخشبي المغمور
باتت السفينة لاتراوح مكانها 
وغدا الربّان حائراً فيما يصنع ..
ترمقه أعين المرتحلين معه
وكأنها تستحثه على المضي قدماً نحو القرار الأخير ..
هو يريد .. وهم يريدون .. والله سبحانه يفعل مايريد ..

وتظل السفينة حبيسة محلها ..

تجلد متنها الرياح العاتية بلا شفقة
والبحر مائج غاضب ..
لايذعن لاستجداء دفتها
ولا لتوسلات أشرعتها ..

وظل جميع من في السفينة على هذه الحال ..

ردحاً من الزمان ..
والرياح والمياه تتلاعب بالسفينة 
ذات اليمين وذات الشمال ..

تكالبت عليهم صنوف العوارض من كل جهة ومكان ..

وآمالهم شتتها الرياح ..
والبحر لازال يستعر بالهياج ..

وفي هذا الوقت..

توجه أحد الركاب إلى الربان..
وطلب منه أن يمسك بالدفة لعلها له تستجيب ..
فيكتم الربّان ضحكة ممزوجة باليأس ..
وكأنه يداري عن نفسه طفلاً قد نفد صبره ..
يبعده الربّان عن الدفّة بقوة
بقوة استعرت على نار اليأس
نار اليأس التي اضطرمت في نفسه ..
فيسقط الراكب أرضاً ..
على مرأى ومسمع من بقية ركاب السفينة ..
الذين فغروا أفواههم من هذا المشهد ..

وفي هذا الوقت بالذات !!

تزبد السماء بالغيوم
وتبرق وترعد بدوي أصم الآذان
وبومض .. برق يكاد سناه يذهب بالأبصار ..
فيخر المطر من عُلّيّة الغمام ..
ليرشق الجميع بوابل من الصيب ..
أجبرهم على الولوج إلى جحرهم داخل السفينة ..

ويبقى الربّان وحيداً على ظهرها ..

بعد أن لحق بقية البحارة بالركاب داخل السفينة ..
يدافع هذا الربّان مقود السفينة بكل ما أوتي من قوة..
ويرنو في توسلات يائسة صوب الأشرعة ..
لعلها تحبط جهود الرياح ..

ولكن الأشرعة تتمزق..

وأطراف السفينة قد علاها الماء ..

وبينما كانت السفينة تنداح في دوامة كبيرة..
وقد شارف صاريها على مس صفحة المياه المتأججة ..
لمع في السماء حلم كبير ..
إذ أقلعت السماء ..
وغيض الماء ..
وأشرقت صبابات الجَونــاءِ في حنان مخترقة ظلمة الغيوم ..
التي إرتفعت إليها أكف الشراسة تلك التي أدارت صفحة البحر فجأة
فَعَـلت نحو السماء..
ومفرقة كتل الغيوم السوداء ..
وتبدت الجاريةُ كاملة برونقها
وجمالها
وإشراقها وضياءها اللامحدود
في صفحة الفضاء اللامتناهي ..
ملقية نظرات باسمة على السفينة المضطربة
فإذا هي تعتدل فجأة في إنسيابها وتستعيد إتزانها ..
ولم يصدق الركاب مارأوه
فعلا الهرج والمرج
وإندفع الربابنة نحو الشراع
يسحبونه في جذل وسعادة وحبور ..
بعد أن أيقنوا بالهلاك ..

لقد إبتسمت لهم الحياة ثانية !

هدأ كل شيء على مهل ..
ولمع لازَوَرد المياه يمتد إلى مالانهاية ..
ثم واصلت السفينة سيرها في البحر رخاءاً ..
وعندما وصلت السفينة إلى خط الأفق ..
واستوت على جودي النجاة ..
إلتفت البحارة والركاب إلى نقطة بعيدة بعيدة خلّفوها وراءهم..
فأدركوا .. أن مرورهم كان بدوامة ساحقة .. لاتَفلت الفُلك من براثنها ..


حينها ...

استرسل الربّان في فكره .. .. كم من دوامة في بحرٍ لُجّيٍ متلاطم .. كان بإمكان السفن تجنبها - بعد مشيئة الله تعالى .. لو تمهل ربابنتها مليّاً .. قبل التعجّل في توجيه الدفّة .




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق