الأحد، 18 أبريل، 2010

في بيتنا .. كانت هناك شجرة ..





في بيتنا .. كانت هناك شجرة .. شجرة توت
كانت تملأ البيت بهجة ، تلألأت فيها عناقيد التوت كالجمان..
أغدو إليها وأبنائي .. فيتهافتون على ثمارها .. وأستل مانأى منها عن أناملهم الفتيّة الغضّة ..
كانت وارفة ظليلة .. نجلس تحتها أحكي عليهم بعض الحكايا.. وتارة .. نعلِّق عليها الفوانيس ..
 لتغدو وضّاءة نيّارة حين الدُجى ، بعد أن تتهادى الغزالة في حياء خلف ثنايا الأفق البعيد


في بيتنا .. كانت هناك شجرة .. شجرة توت
كانت تملأ البيت بهجة ، تلألأت فيها عناقيد التوت كالجُمان..
ومع كل يوم ..


تهوى منها حبة توت ،


وثانية ،


وثالثة تتباعد عن أختيها في المسافة ..


فيغدو الصبية إليها مسرعين..


تسابقهم أنفاسهم ..


يجمعوا ماقُدِّر لهم أن يجمعوه ،


ويحتفظوا به في أوعيتهم الصغيرة ..


ليتناولوها بعدئذٍ حبةً حبة ..




وفي كل مرة نسلى بعيداً عنها ..


نعود إليها ثانيةً ..


نتجاذب ثمارها اليانعة ..


ونقضي جوارها وقتاً ماتعاً ..

في بيتنا .. كانت هناك شجرة .. شجرة توت
كانت تملأ البيت بهجة ، تلألأت فيها عناقيد التوت كالجُمان..
تمر الأيام ..


وتتعاقب الشهور ،


تقلب فصول العام وريقاتها ،


فتخبو ثمارها تارة ،


ثم تبدّل فستانها مع كل حَولٍ يدور ..


لتورق براعمها بعدئذٍ ،


ولتتلألأ ثمارها من جديد ..


بعد أن تجلد متنها لأمطار ،


وتعصف بأوراقها الرياح ..


تتوشحها الأتربة والغبار ..


وهي لم تبرح مَحِلَّها ..


صابرة محتسبة ..


ورغم ذلك .. لازالت في سعيها المبارك ..


ترسم البسمة وتغدق بالعطاء ..


تتناوشها أيادي الصبيان ..


دونما أن تبوح بضيق أو كدر ...


أو تتمايل في ضجر ..

في بيتنا .. كانت هناك شجرة .. شجرة توت
كانت تملأ البيت بهجة ، تلألأت فيها عناقيد التوت كالجُمان..

وعاماً بعد عام ،


تنسينا مشاغل الحياة وصالها ..


تعاقب المزيد من فصول السنة ،


وأصبحت شجرة التوت في طي النسيان ..
وذات يوم ..


خاطبتني بُنَيَّتي ..


أبتاه !


شجرة التوت ! ..


لنغدو إليها سريعاً ..


فنستل ثمارها ..


انطلقت مع الأبناء تلقاءها ..


فلم أجد أثراً لها ..


رمقت وجوه أبنائي ..


حين فغروا أفواههم !


وسكنوا في ذهول وعجب !


أين هي !!
لقد غابت شجرة التوت !




وتذكرت ذلك البستاني الذي دلف إلى حديقتنا ذات يوم .. حين انتزعها من أصلها .. بعد أن شاخت .. واصفرت اوراقها .. وتحجرت عناقيدها لتغدو كالفحم ..

لقد جادت بالعطاء ..


وصبرت طيلة تلك السنين ..


ولم نبادرها بشيء من الوفاء والعرفان ..


حتى آثرت الرحيل ..


لتتركنا خاليي الوفاض حول مكانها اليتيم


حيث كنا سابقاً إلى جوار نُزُلِها..


وحينها .. وقفت ساكناً إلى جوار فتياني ، وقد لبّدت وجوهنا غيومُ الوجوم ..


لأجد كلماتي تبوح بما سكن الفؤاد من حنين ، وأنطق بصوت مزق قيود الصمت المُطبِق العنيد




قائلاً لأبنائي ..




: (( في بيتنا .. كانت هناك شجرة توت ! )

هناك 4 تعليقات :

  1. مقال رائع, ومهارة لغوية متألقة, ليتني استطيع ان اكتب بهذا المستوى ..

    ردحذف
  2. أخي الفاضل يحيى اسعدني مروركم الكريم وإن نالت تلك الأحرف البسيطة شيئاً من استحسانكم فهذا نابع من جمال روحكم
    دمتم بحفظ الله ورعايته

    ردحذف
  3. أبو مشاري سجلني من متابعي شخبطاتك.

    ردحذف
  4. اخي الشاعر محسن
    سعدت بمروركم ومتابعتكم الكريمة

    تحياتي

    ردحذف