الأربعاء، 9 يونيو، 2010

البـاب القديـم





باب قديم ، قد أنهكته الأحداث المتغايرة بفعل تعاقب السنين ، نحت الزمان على واجهته أخاديداً عميقة .. لم تختلف كثيراً عن تلك التي تعرجت على محيّا شيخنا الطاعن في السن ..




خرج الشيخ من بيته متجهاً صوب الحقل الذي أصبح هشيماً تذروه الرياح ، كانت تلك هي عادته مع بداية كل يوم تشرق فيه الشمس الوهّاجة وتعتلي بروج السماء لتستقر في العلياء ، ومادونها .. هذا الحقل الأجدب .. الحقل الذي كان بالأمس وارفاً ، يوم أن كانت الأشجار تحيط به من كل جانب ، وتتخلل بساطه الأخضر النخلات الباسقات ، ومذ كانت المياه تتدفق بين مروجه عذبة زلالة ، حيث يهفو صاحبنا إلى التقاط معوله الذي نصبه على زاوية أحد الأحواض ليبدأ في تحويل مجرى المياه من حوض لآخر .. في زمان ولّى ولن يعود .. زمان كانت السماء وقتئذٍ دائمة المطر همّالة الديم ..


واليوم ، تحول اللون الأخضر إلى اللون الأصفر الفاقع ، وتبدلت الأزهار إلى أشواك ..



والأغصان الغضة الطرية إلى أعواد جافة تشتعل النار فيها من مستصغر الشررِ..







خرج هذا الشيخ منطلقاً إلى حقله الذي تمرد الجفاف والقحط على بساطه ، وتسيدت الشمس كبد السماء لسنوات عدة بعد أن كانت تتوارى حياءاً خلف السحب الكثيفة التي تتوشح بها فيما مضى ..



صاحبنا لم يكن ليقصد ذاك المكان إلا لسقيا نخلتين وحيدتين ظلتا تقاومان عاتي الرياح ولفح الهاجرة ، كان يخرج كل يوم وبيديه النحيلتين الضعيفتين دلوين من الماء ، كي يسقي تلك النخلتين .. فبعد أن هجر أهل القرية مساكنهم ، آثر صاحبنا أن يستمر طيلة حياته حتى يدركه الموت في هذا المكان ، هذا المكان الذي ولد في إحدى بيوتاتها الطينية ، وترعرع على أرضه ، عاش طفولته وصباه وشبابه وكهولته حتى شاخ وشاخت بيوت القرية معه ، هجرها أصحابها ، وظلت منازلهم من بعدهم صابرة محتسبة حتى أعياها الوقوف طيلة عقود من الزمان وجوفها خالٍ من أولئك الذين ملأوا جنباتها في زمان سلف حياةً و حبوراً.










آثر هذا الشيخ أن يبقى وحيداً في القرية ، يخرج كل صباح إلى حقله ، يقوم بسقيا تلك النخلتين وكأنه قد أبرم معهما معاهدة أن يبقون ثلاثتهم سوياً يسلون مع بعضهم البعض ، ومرت الأيام ، فيمرض هذا الشيخ المسن وتسوء حالته ، ويلزم حصيرته المتواضعة ، فلم يعد يقوى على الحركة ، أو الخروج من باب بيته الذي يكاد أن ينخلع من مكانه بعد أن تهدمت جنباته الطينية التي تمسكه من جانبيه .. ويبدأ باسترجاع تلك الأيام السالفة ، حينما كانت القرية تعج بأهلها ، والدار لم تكن تخلو من الزائرين ولا من ضحكات الصبية .. بدأ يتذكر تلك الأيام وهو يداري بكفه الشهباء تلك الدموع التي تسللت خلسة من مقلتيه ، يتذكر .. حينما كان يتوجه إلى مسجد القرية فيشاهد الأطفال يهبون إليه مسرعين فيخرج من جيبه كيساً قد جمع فيها من الحلوى ماتطيب له أنفسهم فيقوم بتوزيعه عليهم









ثم يناديهم أن ييمموا وجوههم شطر مسجد القرية لأداء حق الله تعالى عليهم ..










بدأ الشيخ يقلب ذكرياته وهو على فراش المرض ، كم كانت الحياة قصيرة .. سنوات كنت أتمنى أن تمر مرور السحاب أثناء الصغر .. واليوم تمنيت لو أن عجلة السنين ترجع إلى الوراء ، وتتوقف عقارب ساعة الزمن لأبقى هناك .. حيث كنت ..








وهنا في هذا الوقت .. يسمع صاحبنا صوت المؤذن ينادي للصلاة .. فيتحامل على نفسه ويمسك بعصاه العتيقة كي يغتسل وينطلق لأداء صلاة العشاء ..





وبعد جهد جهيد .. يخرج الشيخ من بيته والمرض قد أوهن قواه ، متحاملاً على عصاه الغليضة حتى وصل إلى المسجد الذي لم يكن يؤذن فيه سوى أحد الأُجراء الذين تكفلت بهم أوقاف تلك البلدة لإقامة واداء الصلاة في ذاك المسجد ، ذلك المسجد الذي لم يكن ليضم بين جنباته سوى إمامٌ ومأمومُ واحد لاغير..








بعد إنقضاء الصلاة .. خرج الشيخ وقد ساءت حالته كثيراً فسقط خارج عتبة المسجد ، فيهب إليه ذلك العامل ويقوم بمعاضدته حتى أوصله لداره..





ومرت الدقائق والساعات والشيخ مستلق على حصيرته ، حتى لاح شعاع الشمس الوليد من خلف الأفق البعيد .. معلناً عن بداية يوم آخر كعادته جديد .. وارتفعت الشمس قيد رمح جوف السماء ، تحرق بشعاعها كل ماترامت إليه أشرعتها .. ولم يخرج الشيخ من داره حتى اللحظة .. ولم يبرح مكانه .. بيد أن باب داره الواهنة هو الذي برح مكانه ! فقد سقط من تلقاء نفسه ، بعد أن تآكل ماتبقي من أطرافه التي كانت بالأمس طيناً متماسكاً واليوم غدت تراباً تطاير في الهواء
من بعد ذلك ، خر الباب على عتبات الدار صريع ..








وأما النخلتان ؟..


النخلتان !!


لا أدري مالذي حل بالنخلتين من بعد أن فارقتهما تلك الأيادي البيضاء ... وكيف أصبح حالهما الآن ..




ولكن كل ما أعلمه .. هو أن موسم الأمطار قد عاد في هذا العام .. وأخضرت الأرض وأظهرت زينتها وزهرتها ، لقد انتعشت الأرض وازدانت حيوية وعنفواناً ، والبستان تجلّى زاهياً باهياً .. لقد عادت الحياة من جديد من فوق التراب .. ولكن بعد أن أصبح صاحبنا اليوم .. مسجّىً تحت التراب ..








أما ذاك الباب القديم الذي خر من مكانه صريعاً على عتبة الدار.. فبقي شاهداً على حال صاحبنا منذ ذاك اليوم .. وشاهداً على حال الأرض تلك التي خلفها ، لجيل ، ربما قد يكونوا أسعد حالاً .. جيلٍ أسعد حالاً منه ومن صاحبه سواء.

وفي النهاية

تبدّى لي أن هناك من هو أوفى مع شيخنا من تلك النخلتين ..

إنه الطين
فلقد وُلِدَ صاحبنا في بيت الطين
وعاش طيلة حياته في بيت الطين
ليواري جسده الغض في النهاية بيت من طين


وسيسعنا بيت الطين كذلك ليطوينا معه مثلما طوى شيخنا

هناك تعليق واحد :