الأحد، 13 يونيو، 2010

الصـورة الغـائبة




يخرج كل يوم إلى الساحة العامة بالمدينة
يحمل معه لوحاته وفراشيه التي هي مصدر رزقه




يصل إلى الساحة باكراً على غير عادته

فيجدها خلية من الناس
يرمقه بائع الصحف على ناصية الساحة ويلقي عليه التحية فيجيبه هو بمثلها.. ويبدأ في ترتيب الصحف على الكشك الخاص بها دون أن يرفع عينيه عن صاحبنا .


توجه صاحبنا إلى قلب الساحة .. وشرع في فتح حقيبته ، يخرج مذياعه الصغير ويبدأ في تقليب بعض القنوات الإذاعية .. ثم يغلق مذياعه .. ويعيده ثانية إلى حقيبته .. ليتناول كيساً صغيراً وضع فيه إفطاره الصباحي والذي كان عبارة عن شطيرة من الجبن والطماطم ، وعبوة مياه غازية ..

بعد أن تناول صاحبنا إفطاره ، بدأ يعد العدة لرسم لوحة زيتية ، مر الوقت سريعاً وامتلأت الساحة بالناس .. وتوافد غيره من الرسامين إلى الساحة ، كلٌ منهم قد أفترش المكان الذي أعتاده للجلوس فيه ولرسم لوحاته ، جال الرجل ببصره يمنة ويسرة ، فوجد الرسامين منهمكين في رسم لوحاتهم حيث توافد العديد من الزبائن إليهم ..
احتار صاحبنا لعدم قدوم أحد من الزبائن إليه ، حاول أن يشد انتباه الناس إليه ، فقام بفتح المذياع ، التفت بعض المارة والناس إليه لبرهة ثم عادوا بأبصارهم مرة أخرى إلى الرسامين الآخرين ..
---------------
اعترى صاحبنا شيءُ من الضيق والضجر ، فكّر بتغيير مكانه إلى بقعة أخرى من الساحة .. فتولى ناحية أحد المباني الشهيرة الواقعة على طرفها ..



جلس الرجل من جديد على كرسيه ، وبدأ يخرج أغراضه من اللوحات ، والفراشي ، ثم قام بصفها قبالته ، اختار صاحبنا أكثرها جذباً والواناً برّاقة علها تستقطب أنظار الزبائن نحوه ، لكن دون جدوى..


ومر الوقت وصاحبنا ينتظر .. ثم نهض من مكانه تاركاً أغراضه حيث هي ، وخطا بخطوات متثاقلة صوب أحد الرسامين الذين تحلق عليه العديد من الزبائن كي يقوم برسم لوحات زيتية لهم .. اقترب صاحبنا من الرسام وسأله .. " لم يكن اليوم على غير عادته بالنسبة لي ، فلم الحظ أحداً من الزبائن قد قدم إلي ! " ثم صمت لبرهة منتظراً إجابة ذلك الرسّام ، كان الرسام الآخر منشغلاً بتحديد الخطوط الرئيسية لملامح أحد زبائنه .. ثم التفت إلى صاحبنا ونظر إليه برهة دون أن ينبس ببنت شفه .. ثم أعاد بصره مرة أخرى إلى لوحته واستمر في رسم لوحته .. وفي ذات الوقت أزاح أحد الزبائن المتحلقين حول الرسام صاحبنا بيده قائلاً له : "أن ابتعد قليلاً من هنا فقد قطعت علينا متعة الاستمتاع بمشاهدة هذا الرسام البارع ! " ..

زاد ضيق صاحبنا الذي ظل متأملاً لذاك الرسام علّه يلتفت إليه ، أو أن يجيبه على سؤاله ، بيد أن الرسام الآخر لم يعره أدنى اهتمام ، وبعد أن فرغ ذلك الرسام من رسم لوحته ، نهض الزبون الذي كان جالساً أمام ناظريه ، ليحل محله زبون آخر كان ينتظر دوره أمام هذا الرسّام ..كي يرسم له لوحته الزيتية ..


عاد صاحبنا إلى مكانه حزيناً ، وأخذ يتلفت يمنة ويسرة ويرنو ببصره صوب الغادي والرائح ، وأنزعج كثيراً أن الجمع يمرون من حوله وكأنه خيال ..

وفي هذا الوقت .. اقترب طفل كان يمشي بصحبة والديه من علبة الفراشي لصاحبنا الرسّام ثم أخذ يعبث بها .. فأنزعج صاحبنا وقام بنهر ذلك الطفل أن يترك علبة الفراشي من يده ، القى الطفل بعلبة الفراشي مذعوراً وإنطلق باكياً إلى حضن والديه حيث قاما بتوبيخ هذا الرسام أمام الملأ .. ثم غادرا المكان ..

وفي هذا اللحظة .. أصبح رسامنا محط أنظار الناس في الساحة .. غير أن تلك النظرات لم تكن لتحمل ذات التعابير تلقاء الرسامين الآخرين من الابتسام والبهجة والإعجاب .. بل نظرات من الاستهجان والعبوس والكراهية ..


حينها ، هب صاحبنا من مكانه .. وهم بمغادرة الساحة منطلقاً إلى بيته والغم يعتصر فؤاده ..

وقبل أن تنتهي خطواته خارج الساحة ، نظر إليه بائع الصحف والذي كان يتأمل المشهد منذ قدوم صاحبنا الرسام حتى مغادرته ، قائلاً له : لعلك لم تنتبه إلى ملابسك الملطخة بالألوان حينما قدمت إلى هنا ! ولعلها كانت عنوانك أمام الناس . فكيف يثق الزبائن برسام متمرّس يتقن فن الرسم وهو لم يتقن هيئته من البداية ؟
نظر صاحبنا إلى ملابسه .. وتغيرت ملامح وجهه ، ثم غادر الساحة بعد أن سخط هو على ذاته أيضاً ، ومنذ ذلك اليوم ... لم يعد صاحبنا لتلك الساحة ..

فلربما انتقل إلى بلدة أخرى بعد أن تلقى درساً عن كيفية ( إتقان رسم صورته الذاتيّة التي سيعرضها أمام الملأ ) قبل أن يتولى رسم الصور الافتراضية للآخرين ...


وكم كانت دهشة صاحبنا حين اكتشف أن صورته الحقيقية والتي يفترض أن تظهر للآخرين كانت .. ( غائبة ) ! ..
IMG_3523.jpg picture by ZELOSFORCE

هناك تعليقان (2) :

  1. قصة معبرة شكرا على المقالة

    ردحذف
  2. هناك الكثير من الناس يهتم برسم الصور الافتراضية ومايجب أن يكون عليه الآخرين ولم يبالي بصورته هو ومايجب أن يكون عليه من أشياء كثيرة غفل عنها ربما تكون في الجوهر أو المظهر ,,
    حرفك هنا يحمل الحكمة ,,

    ردحذف