الجمعة، 30 يوليو، 2010

العروس والمطر




كعادتها .. دوماً متوهجة بالحياة ، تتفجر حيوية وعنفواناً وبهاءاً ..

جموع السياح قد ملأت الطرقات والممرات المتعرجة في ثناياها .. وتحيط ببحيرتها الخلّابة إحاطة السوار بالمعصم .. وتطوق الحشود نهرها الجاري الفتّان





لوزيرن .. صباح يوم سويسري جميل.. مدينة بهيجة أينما تولّي طرفك تستشعر البهجة والأنس في كل مكان ..



الأوز على صفحة المياه يرنو صوب السماء يسبح بحمد المبدع الخلّاق ..



والسحب في خضوع وخشوع من حول العروس .. تسبح بحمد الخالق المتعال دونما فتور
فتردد الرواسي الشامخات من بعدها تسابيح السحاب

تيمم بصرك تلقاء شوارعها المزدحمة دوماً بالسيارات .. فلا تشعر بضجيج المدينة .. ولا برتابة روتين الحياة اليومي


تتراءى لك المركبات كعقود من الجمان تجمّل طرقاتها الجميلة المنسقة ، تصحبها حركة الحافلات التي لم تكن لتهدأ ..



والمراكب ؟!





المراكب تتهادى على صفحة بحيرتها البهيّة .. تشجيها نسائم الهواء البحرّي الأخاذ .. وتداعب أشرعتها نفحات الأثير الزاكي بعطر الزهور وعبق جبالها وأشجارها الوارفة ..
ذات يوم ، وحينما كنت في ربوعها صبيحة يوم من الأيام .. كانت السماء صافية .. تتمايل فيها الطيور جذلة مع نسمات هواءها العليل الأخاذ .. متبادلةً فيما بينها عشق هذا المكان البهيج من هذه المعمورة ..



 صبيحة ذاك اليوم ..كان الناس يسيرون في طرقاتها في حبور ، هنا اكتظت بهم المقاهي ، وهناك توزعت حشودهم بين هذا المحل وذاك ، وأمام هذا الركن وذاك
وافترش البعض منهم ضفاف البحيرة الساحرة في تأمل للمراكب الغادية والرائحة ..


أما الآخر ؟!
فقد استحسن الصعود نحو الأعالي فوق الجبال الشمّاء



وفي لحظات !
......
......
..





تتلبد السماء بالغيوم ..
وتومض بشعاع يكاد سناه يذهب بالأبصار
وتزبد وترعد بِدَويٍ يكاد هزيمه يصم الآذان
وتعانق أسطح البلدة أولى ذرات المطر
لتليها قطرة أخرى ، تذوب في جوف البحيرة ، وقطرة ثانية تتكسر على ساحة من ساحات المدينة ، ومن بعدها قطرة أخرى تخترق نهرها ، ورابعة تبلل صاري إحدى مراكبها التي تتهادى في مياه بحيرتها ، لتتوالى قطرات المطر تباعاً .. حتى أنهمر الماء الجارف من عليّة الغمام .. ليبتل شعر وجيد هذه الحسناء .. لوزيرن .. حتى بلغ البلل أخمص قدميها ..




فتبدو الطرقات من بعدئذٍ خالية من روادها ..
ولتخبو حركة السير في المدينة ..



ومع اشتداد وقع الامطار .. ودوي الرعد ..
جزعت هذه الحسناء السويسرية ، وبدأت تشعر بلوعة الفراق .. وهي تلحظ زوارها وعشاقها الذين قدم جلّهم من مكان قصيٍ من هذا العالم الرحب ، يبدأون في غذ الخطى .. والإسراع بالمسير ..
وانطلق الجمع يولون الدبر .. بعد أن نثر الغمام وابل الصيب على قوامها الممشوق..
غادر الأوز صفحة الماء
وخلت السماء من الطيور التي كانت تحيي الجو بزجلها ..
وبعد فترة من الوقت ..
توقف وقع المطر
وانقشع الغمام
بعد أن أوى الناس إلى ركن شديد





ساد من بعدها السكون الرهيب
ولتبقى العروس لوزيرن وحيدة جَزِعَة ..
بيد أنه لم يكن رفيقها هذه اللحظة سوى ..
بلورات الماء ، قد وشحّت جسدها الغض ، وتركتها ساكنة لوحدها .. دونما أنيس .. لتودعها آخر غيمة مرت من فوقها ، بقطرة أخيرة القتها على محياها ، لتختلط بدمعة الضيق والهجران ..
سكنت العروس في محلها ، ثم رفعت بصرها إلى السماء
وبدأت تطرق السمع هنا وهناك
وحينئذٍ
علت محياها ابتسامة عريضة ..فقد بدأت الحياة تدب في الشوارع من جديد
وغدت ممراتها وطرقاتها تمتليء بالسياح والمارّة مرة أخرى
واستهلت المراكب حركتها على صفحة المياه
وانغمس الأوز في البحيرة من جديد بهجة وسروراً


وبدأت الطيور تتهامس في السماء معلنة عودة البهجة لربوع المدينة
لترفع لوزيرن رأسها إلى السماء ، تتنفس الصعداء ولتحمد الواحد المتعال.. ثم لتنطلق في بهجة وسرور .. يحدوها الأمل السعيد .. بعد أن سرت فيها الحياة من جديد ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق