الأربعاء، 7 يوليو، 2010

الجسد المُهـاجِر

يالله ..بالأمس كنت هناك .. وشتّات مابين هاذا الجو وذاك .. ومابين هذا المنظر البديع الذي ترامى تلقاء ناظريّ الآن .. وذاك !







جلس صاحبنا على مقعده الخشبي في شرفة الفندق التي يُطِلُّ منها على منظر البحيرة الخلّابة .. فقد وصل صاحبنا في ساعة متأخرة من نهار هذا اليوم إلى هذه البلاد البعيدة ، بعد أن ودع أهله وأصحابه صبيحة هذا اليوم ، بلاده تلك التي سعّرت أشعة الشمس أجوائها والهبت أرضها ، وتشبثت ذرات الغبار في هواءها .. منذ أن كان صاحبنا ظهر هذا اليوم يشق طريقه في المدينة متجهاً صوب المطار .. عبر أرتال من السيارات التي احتقنت بها الطرقات ، ونفثت عوادم السيارات والشاحنات أدخنتها وخنقت الأجواء ..









ومن هذا المكان ، حيث هو فيه الان .. يحدث صاحبنا نفسه ، سبحان الله .. اليوم صباحاً .. كنت في حال وفي ذات اليوم أراني في حال آخر ..
صبيحة اليوم كنت استنشق أدخنة العوادم .. واليوم تداعب أنفي نسمات الهواء العليلة ، هذا الصباح كانت ذرات الغبار تتسلل إلى حلقي لتستقر في صدري وتكتم أنفاسي .. واليوم تتنعش رئتاي بعبير البحيرة الخلابة التي اندمجت مع رائحة المطر ونسمات الهواء البارد المنعشة ،، بالأمس كانت أبواق السيارات والشاحنات تشنّف أذناي .. واليوم تشجيني ترانيم الهتّان ..

فكر صاحبنا قليلاً وهو يتناول كوب قهوته المفضلة ، ثم تأمل في حاله الآن قائلاً .. أواه ! لو قضيت بقية أيام عمري هنا .. بعيداً عن صخب هذا العالم وعن قسوة الأجواء في بلادي ..







استرخى صاحبنا على مقعده بعد أن ثناه ليأخذ وضعية المستلقي على ظهره ، ثم يمم طرفه إلى السماء .. يتتبع أسراب النوارس التي شرعت في الرحيل صوب الأفق البعيد .. استجابة لنداء الشمس التي آذنت للغروب ..







سرت نسمة هواء باردة في بدن صاحبنا .. ارتعش على إثرها .. ثم نهض من مكانه متوجهاً إلى حجرته .. قام بإغلاق باب الغرفة المطل على الشرفة . ثم أسدل الستار .. توجه إلى جهاز التلفاز ثم أدار جهاز التحكم على إحدى المحطات الإذاعية ، وقام بخفض الصوت حتى لاتكاد تسمع إلا همسا ..

توجه إلى سريره ، ثم وضع رأسه على وسادته .. وقام باجتذاب لحافه وقد ارتسمت على محيّاه ابتسامة دونما شعور منه .. ثم استرسل يفكر في مشوار الغد ..







وماهي إلا دقائق .. إلا ويتذكر صاحبنا أهله وأحبابه، تذكر والدته المسنّة التي فارقها وفؤادها منشغل عليه .. تذكر زوجته وأطفاله الذين باتوا ينتظرون عودته على أحر من الجمر ..تذكر جيرانه وأصدقائه .. تذكر زملائه وأصحابه في عمله .. ليتملكه الحنين من بعدئذٍ .. نهض من فراشه ، ثم توجه إلى جلبابه وقام بتقليب محفظته ، ليتأمل صورة زوجته وأطفاله .. مرت دقائق وصاحبنا يفكر في أحبابه ، ثم استهل مشواراً من الحنين بصحبة التفكير تلقاء وطنه ..







أعاد صاحبنا محفظته إلى جلبابه ، ثم توجه إلى سريره ، ثم حدث نفسه قبل أن يستسلم لسلطان النوم قائلاً ..
اشتقت إليهم .. إلى وطني .. أهلي .. أبنائي ..أصحابي ..

ثم خرج مرة أخرى إلى الشرفة .. ولكن هذه المرة .. كانت تعابير وجهة مختلفة عن ذي قبل حينما كان جالساً في الشرفة منذ برهة .. سرت نسمة هواء قلبت تعابير وجهه ومعها عباراته .. قبل أن تقلّب صفحات رواية انثروبولوجية كانت ملقاة على طاولة صغيرة في زاوية الشرفة .. ليقول .. ما أشد وقع ذرات المطر .. لكأني بها قذائف معركة تتوالى على شرفتي ..





وهذه البحيرة التي أمامي .. غدوت أراها شاحبة .. وتبدت لي مجرد سراب أحسبه ماءاً ، .. ونسمات الهواء التي كنت استنشقها عليلة ، أعلّت فؤادي حقاً !..







أغمض صاحبنا عينيه وهو على كرسيه ..







وبدأ يتمتم بأسماء زوجته وأبناءه .. ثم بدأت أطرافه تتراخى شيئاً فشيئاً .. حتى غط في سبات عميق .. وكأني بي ألمح كوب قهوته ينسل من بين يده ليستقر بما تبقي فيه من قطرات.. على أرض الشرفة ..







وفي الواقع .. فإن صاحبنا لم يهاجر بكليّته .. بل جسده هو الذي هاجر فقط .. بينما قلبه وعقله ظلّا في وطنه .. مع أهله وأحبته ..



ربما .. قد يسافر الجسد .. ويرتفع عن الأرض ، ويعانق الغمام .. ولكن ؟! قد لايشعر بمتعة السفر دونما أن يحمل في جوفه أحداً من المسافرين معه

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق