الأحد، 3 أكتوبر، 2010

السائح الذي لم يســافــر





ارتفع صوت ساعة المنبه فهب من نومه مسرعاً .. اغلق الجرس ..  اتجه كي يغتسل ثم ليرتدي ملابسه تأهباً للخروج إلى عمله .. لحقته زوجته بكوب قهوته الذي حضّرته له مع شطيرة إفطاره ، وقبل أن يودعها قامت بمناولته جواز وأوراق خادمتها لتجديد إقامتها .. خرج من منزله سريعاً وركب سيارته وأدار المحرك موليّاً جهة عمله ..
وصل صاحبنا إلى عمله متأخراً وحيّا زميليه المجاورين لمكتبه ، ثم جلس في مكتبه وبدأ في تناول طعام إفطاره الذي حضّرته له زوجته ، لقد بدأ موسم الصيف منذ أيام .. وبدأ كثير من الموظفين في التخطيط لإجازاتهم ، منهم من سيقضي إجازته خارج البلاد ، والآخر في ربوع البلاد ، ومنهم من سيقضي وقته مع عائلته في ربوع مدينته بعيداً عن رتابة وروتين العمل اليومي المتكرر .. أما صاحبنا .. فقد تأخر كثيراً في الاستعداد لإجازته بعد أن سبقه زملائه في تقديم خطط إجازتهم لهذا الصيف ، وبات الوحيد من بينهم الذي سيقوم بإدارة العمل نيابة عنهم أثناء تمتعهم بإجازاتهم السنوية ..

بعد فترة من الوقت ، وأثناء تقليب بعض الصور لشيء من المناظر الطبيعية الآسرة حول العالم ، بدأ صاحبنا يمنّي نفسه بالسفر إلى إحدى الديار الخلّابة بعد تأمله لشيء من أوجه الطبيعة الربانية الساحرة في تلك البلاد ..   يقلب بعض الصور المختلفة للبحيرات والأنهار   ، ثم اتجه بخياله إلى جهة أخرى من هذا العالم الكبير   ، يتأمل  نفسه يجول بين الغابات الإستوائية تارة ، ويستمتع بالتهادي على إحدى السواحل البديعة ، وتارة فوق الجبال ، يتأمل السحاب من حوله يلف المكان ،  بعد ذلك قرر صاحبنا أن يرتضي بأقل القليل من تصوراته كي لايزيد وجع قلبه ، فأخذ يتأمل جلوسه على ضفاف أحد الشواطيء في البلاد .. ويتأمل أطفاله من أمامه يبنون قصراً من رمال ويداعبون الأمواج  ..

استفاق صاحبنا من تفكيره العميق .. على صوت مديره يطلب منه إنهاء معاملة عاجلة قد طلبها المدير العام ..  قام بأدائها على الوجه المطلوب ، ثم تقدم إلى مكتب مديره وناوله المعاملة ، شكره مديره وقبل أن ينصرف التفت إلى مديره وسأله عن إمكانية الخروج لبعض الوقت إلى مقر الجوازات كي يقوم بتجديد إقامة خادمته ، فأجابه مديره بالموافقة ..

خرج صاحبنا وسط أرتال السيارات نحو إدارة الجوازات .. وبعد جهد جهيد وسط معمعة السيارات وإزدحام الحركة .. تخللها مرور ببعض الشوارع خفيفة الزحام والتي مع عجلة صاحبنا تلقى على اثرها رسالة قصيرة على جواله بتجاوز السرعة المحدده ، لم يعرها إنتباهه .. حتى وصل إلى إدارة الجوازات ..


بعد فترة من الوقت تمكن صاحبنا من إيجاد موقف لسيارته .. ثم اتجه لأحد المكاتب العامة لتصوير بعض الأوراق المطلوبة لتجديد إقامة خادمته ، ثم استدار بعدها نحو مبنى الجوازات .. استلم صاحبنا رقمه المخصص للإنتظار .. كان الرقم الذي استلمه AAA322 بينما المعاملة التي تنجز حالياً لأحد المراجعين كان رقم إنتظارها AAA105 ..انتظر صاحبنا طويلاً ، ثم تملل من الإنتظار .. وقرر الخروج لبعض الوقت للتجوال حول مبنى الجوازات لتمضية بعض الوقت وحتى يحين موعد إنجاز معاملته حسب الرقم المحدد له ..

خرج صاحبنا من المبنى وتجول في الساحة المقابلة والتي اصطف عليها الباعة الذين تنوعت بضاعتهم ، وقام بالتبضّع من هذا وذاك .. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اشترى شيئاً من أعواد البخور لوالدته ، وبعضاً من التمر ، وبعضاً من الألعاب لأطفاله .. ثم اقتنى لنفسه شيئاً من الملبوسات الجاهزة ،، بعدها توجه لتناول شيئاً خفيفاً من أحد المطاعم الصغيرة التي تجاورت إلى بعضها ، وطلب شطيرة وشاياً ..

 

ثم توجه بعدها إلى مبنى الجوازات .. ليجد أن رقم الإنتظار قد وصل إلى AAA 272 ..
بعد انتظار لبعض الوقت .. حل موعد معالجة معاملة صاحبنا ، وتمكن من تجديد إقامة خادمته ثم خرج متوجهاً وسط أمواج السيارات المتلاطمة .. حتى وصل متأخراً إلى عمله كذلك ..

وصل إلى مكتبه .. توجه لمكتب مديره لتقديم شكره وكذلك اعتذاره عن تأخره في إنجاز معاملته  .. 

بعد أن عاد صاحبنا لمكتبه .. وجلس على كرسيّه .. شعر بأنه قد سافر وهو لم يسافر .. فقد كان خروجه من عمله إلى مشواره ذلك هذا اليوم وماشاهده من مظاهر النشاط أشبه بالحجر الذي أُلقي في المياه الراكدة .. صاحبنا لم يسافر .. ولكن كلاً من جسده وعقله قد سافرا على حده .. عقله قد سافر مابين تلك المناظر الطبيعية التي قام بتأملها في مواقع الانترنت صبيحة هذا اليوم .. أما جسده فقد نفض رداء الرتابة المطبق على أجزاء بدنه أثناء تجواله بين هذا البائع وذاك صبيحة هذا اليوم وهو يشم رائحة السفر الأخّاذة التي تداعب أنفاسه تهب من مبنى الجوازات   .. أصبح سائحاً لفترة من الوقت خارج روتين عمله .. في حين أنه لم يسافر !

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق