الثلاثاء، 8 يناير، 2013

المعدن المفقود



دخل صاحبنا إلى محل البقالة ، وتبضع حاجة بيته ، وعندما اقترب من المحاسب وهم بفتح محفظته لإخراج النقود ، انسل المعدني المستدير من محفظته ووقع أرضاً .. ليشق  طريقه خارج المحل ويستقر على الرصيف ، كان الجو بارداً للغاية .. فلم يجد هذا المستدير المسكين بد من أن يحتمي داخل فتحة تصريف السيول لينسل في جوفها  حيث الظلام الدامس إلى غير رجعة .. وعلى النقيض من ذلك ، توزعت هنا وهناك هناك بعض العبوات التي تحوي مختلف الأشكال والألوان من قطع العلكة - اللبان-   تتمدد باسترخاء وفي جو مرفه فوق طاولة المحاسب .









نعود إلى صاحبنا الذي دفع حساب مشترياته وانتظر استلام الباقي، غير أن البائع ناولة علكة تعدل قيمتها قيمة تلك القطعة المعدنية الهاربة .. فرفض صاحبنا تناول العلكة وأصر على أن يُرجع له البائع ( النصف ريال ) المعدني .. اعتذر البائع لعدم وجود ( نصف الريال ) المعدني في خزانته ( غير أني على يقين بأن لديه من تلك القطع المعدنية الكثير) 


أصر على صاحبنا أن يتناول قطعة العلك التي ناولها إياه آنفاً .. احتدم النقاش والجدال بين الإثنين ، فهذا يُصر وذاك يُمانع ..



حتى خرج صاحبنا غاضباً من المحل بعد أن تنازل عن حقه للبائع وسلمه ريالاً ورقياً كاملاً بعد أن فقد الأمل في أن يستعيد تلك القطعة المعدنية .. قطعة ( النصف ريال ) ..


توجه صاحبنا إلى محطة الوقود لتعبئة خزان السيارة ، وأثناء تعبئة الخزان بالوقود توقف خرطوم الضخ عند 55 ريالاً ونصف الريال ، وقبل أن يهم عامل المحطة بمواصلة الضخ ببطء حتى يتخلص من كابوس ( النصف ريال ) ناداه  صاحبنا وطلب منه التوقف عن ذلك ، ليصُر على أن يسلمه عامل المحطة بقية المبلغ مع ( النصف ريال ) .. فارتعدت فرائص العامل من هذا الكابوس المعدني ، فقد حدث له ما لم يكن بالحسبان ! .. قدم عامل المحطة اعتذاره لصاحبنا بأنه لاتتوفر لديه هذه القطعة النادرة من المعدن ! ، ليحتدم الجدل بين الاثنين .. حتى أصر صاحبنا أن يتنازل عن حقه للمرة الثانية ويتخلى عن النصف ريال بعد أن سلم العامل 56 ريالاً ورقياً .. ليقوم العامل بدوره في إعطاءه علبة مناديل للخروج من أزمة المعدني المستدير ..
بعد أن فرغ صاحبنا من تعبئة خزان سيارته بالوقود ،  توجه بسيارته خارج المحطة ثم سلك الطريق العام .. وتوقف عند إحدى الصيدليات ، ابتاع دواءاً للرشح ، وحينما تبقى له نصف ريال ، كان الصيدلي أميناً للغاية !  ، فبدلاً من أن ( يلهط ) باقي كسور العملة ،  ناوله الصيدلي مباشرة ودونما سؤال منه علبة مناديل صغيرة عوضاً عن النصف ريال ، لم يمانع صاحبنا في ذلك فقد كان مصاباً بالرشح وقتها وبحاجة لمنديل حل في وقته

في هذه الأثناء .. اتصلت به زوجته وطلبت منه أن يحضر بعضاً من شطائر الشاورما لأبنائه .. توقف صاحبنا عند أحد مطاعم الوجبات السريعة وقام بشراء بعضاً من الشطائر ومشروباً غازياً .. وحينما توجه للمحاسب ، أخبره المحاسب أنه لاتتوفر لديه عملات معدنية ( غير أني على يقين بأن لديه من تلك القطع المعدنية الكثير) .  قام المحاسب بوضع عبوة مياه صغيرة بقيمة النصف ريال مع علبة المشروب الغازي عوضاً عن النصف الريال .. فدار جدل بين الإثنين لينتهي الأمر في أن يقوم صاحبنا بارجاع عبوة المياه المعدنية الى البراد ليقوم بشراء مشروبين غازيين بـ 3 ريال كي يتم جبر النصف ريال ، عوضاً عن الرضوخ للمحاسب ..
 
تُرى .. لماذا تضاءل بريق عملتنا المعدنية في هذا الزمن ؟ ولماذا أصبحت مهمشة لدرجة أنه حتى العامل الوافد بات يزدريها ولايرغب  برؤيتها أو حتى في سماع اسمها ؟ .. هل المسألة فعلاً ندرة هذه العملة المعدنية أم أنها مسألة ( بزنس ) عند بعض التجار ؟!  


ولماذا يحرص بعض التجار رغم ثرائهم على تصفير جيوب المستهلك حتى من الهلل عبر هذا الأسلوب  ، وإني لاتساءل ماحكم الشرع في هذا ،  أن يتم إجبار شخص أو اضطراره للشراء بدلاً من أن يتم إيفاءه بقية الحساب ؟ وهل هذا يدخل ضمن بيع النسيئة ؟



حينما تسافر شرقاً وغرباً ستجد أن تلك القطع المعدنية تحتفظ ببريقها وسؤددها ، بل باتت تنافس العملات الورقية هناك.. وفي زمن مضى كان لتلك القطع المعدنية شأن عندنا .. فقد كان الناس يتنافسون على اقتناءها خاصة تلك العملات المعدنية التي تم اصدارها في نهاية القرن الهجري الماضي والتي حملت آيات قرآنية شريفة  مثل ( وأطعموا البائس الفقير ) وقوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه ) حيث أضحت لدينا  في ذلك الوقت من المقتنيات النادرة ..
 
ولكي نتضامن مع تلك القطع المعدنية في استعادة قيمتها وهيبتها ومجدها الذي كان .. هل الحل يكمن في أن يتم تحويل هذه القطع المعدنية إلى عملات ورقية ؟ أم في أن تقوم مؤسسة النقد لدينا بالاهتمام بهذه القطع المعدنية وتفعيل دورها من حيث ضخها بشكل كاف في السوق ودعمها إعلامياً ، فقلما تخلو معاملاتنا اليومية من تداول تلك القطع المعدنية .وعدم القبول إلا بالباقي من الهلل إلا نقداً ، في حين يتجرأ بعض الباعة بكل صفاقة دون ان يستشيرك في دس علك او بسكوته مع اغراضك بسرعة البرق .. فمن عودهم على هذا ؟!  إنه أنت ايها الزبون ..
كما آمل أن يتم إصدار عملة ( الهللة ) المعدنية حتى يحتفظ المستهلك بحقه عند زيارته لتلك الأسواق التي تحاول اصطياد الفُتات من جيب الزبون عبر تسعير معظم السلع بأرقام عشرية ! أو في أن تُحرج الزبون بالتخلص من تلك القطع المعدنية والهلل عبر سؤاله : تتبرع بالهلل؟! 

 ومما أخشاه أن تكون نية التبرع بالهلل في ذلك الموقف مشوبة بنية الخلاص من هذا المعدني المستدير من قبل المشتري أو البائع   !

 
نقطة النهاية : ذُكِر عن سيدة أعمال خليجية أن العوائد السنوية لشركة تابعة لعائلتها ارتفعت إلى 94 مليون ريال، بعدما استبدلت الشركة العملة المعدنية بـ«العلكة» (اللبان) ، وذكرت أن معظم المحال التجارية أضحت تصرف لعملائها «العلكة» بدلاً من النقود المعدنية.  (!)

هناك تعليقان (2) :

  1. موضوع رائع ويستحق الأهتمام .. فعودو التعامل بالهلل تجعل للريال قيمه

    ردحذف
  2. تشرفت بمروركم وتعليقكم الكريم ، نتمنى ان يزيد الوعي للتعامل بالنصف ريـال بين الناس ، وننتظر من مؤسسة النقد ووزارة التجارة الاهتمام بالموضوع ..

    دمتم بحفظ الله ورعايته

    ردحذف