
كعادتها .. دوماً متوهجة بالحياة ، تتفجر حيوية وعنفواناً وبهاءاً ..
جموع السياح قد ملأت الطرقات والممرات المتعرجة في ثناياها .. وتحيط ببحيرتها الخلّابة إحاطة السوار بالمعصم .. وتطوق الحشود نهرها الجاري الفتّان

لوزيرن .. صباح يوم سويسري جميل .. مدينة بهيجة أينما تولّي طرفك تشاهد البهجة في كل مكان ..
الأوز على صفحة المياه يرنو صوب السماء يسبح بحمد المبدع الخلّاق ..

والسحاب من حولها يتسامى في خيلاء.. يتبادل والجبال الشمّاء تسبيح الخالق المتعال ..

تيمم بصرك تلقاء شوارعها المزدحمة دوماً بالسيارات .. فلا تشعر بضجيج المدينة .. ولا برتابة روتين الحياة اليومي

تتراءى لك المركبات كعقود من الجمان تجمّل طرقاتها الجميلة المنسقة ، تصحبها حركة الحافلات التي لم تكن لتهدأ ..
والمراكب ؟!

المراكب تتهادى على صفحة بحيرتها البهيّة .. تشجيها نسائم الهواء البحرّي الأخاذ ..
ذات يوم ، وحينما كنت في ربوعها صبيحة يوم من الأيام .. كانت السماء صافية .. تتمايل فيها الطيور مع نسمات هواءها العليل الأخاذ .. متبادلةً فيما بينها عشق هذا المكان البهيج من هذه المعمورة ..

وذلك اليوم ..كان الناس يسيرون في طرقاتها في حبور ، هنا اكتظت بهم المقاهي ، وهناك توزعت حشودهم بين هذا المحل وذاك ، وأمام هذا المقهى وذاك ، وجلس بعضهم على ضفاف البحيرة الساحرة يتأملون المراكب الغادية والرائحة .. والبعض منهم حبذ التجوال مابين البحيرة والجبل
وفي لحظات ..

تتلبد السماء بالغيوم ..
وترشق أسطح البلدة أولى قطرات المطر
لتليها قطرة أخرى ، تذوب على صفحة البحيرة ، وقطرة ثانية تعانق إحدى ساحاتها ، ومن بعدها قطرة أخرى تخترق نهرها ، ورابعة تبلل صاري إحدى مراكبها التي تتهادى في مياه بحيرتها ، لتتوالى قطرات المطر تباعاً .. حتى أنهمر الماء الجارف من عليّة الغمام .. ليبتل شعر وجيد هذه الحسناء .. لوزيرن .. حتى بلغ البلل أخمص قدميها ..

لتبدو الشوارع من بعدئذٍ خالية من روادها ..
ولتخبو حركة السير في المدينة ..

ومع اشتداد وقع الامطار .. ودوي الرعد ..
جزعت هذه الحسناء السويسرية ، وبدأت تشعر بلوعة الفراق .. فِراق زوارها وعشاقها الذين قدم جلّهم من مكان قصيٍ من هذا العالم الرحب ..
وانطلق الجمع يولون الدبر .. بعد أن صب الغمام وابل الصيب على محياها مختلطاً بأدمع وجدها على فراق أحبابها ..
غادر الأوز صفحة الماء
وخلت السماء من الطيور التي كانت تحيي الجو بزجلها ..
وبعد فترة من الوقت ..
توقف وقع المطر
وانقشع الغمام

ليعم من بعدها السكون الرهيب
ولتبقى العروس لوزيرن وحيدة جَزِعَة ..
بيد أنه لم يكن رفيقها هذه اللحظة سوى ..
قطرات من الماء ، قد بللت جسدها ، وتركتها قابعة لوحدها .. دونما أنيس .. لتودعها آخر غيمة مرت من فوقها ، بقطرة أخيرة القتها على محياها ، لتختلط بدمعة الضيق والهجران ..
سكنت العروس في محلها ، ثم رفعت بصرها إلى السماء
وبدأت تطرق السمع هنا وهناك
لتعلو محياها ابتسامة عريضة ..فقد بدأت الحياة تدب في الشوارع من جديد
وغدت ممراتها وطرقاتها تمتليء بالسياح والمارّة مرة أخرى
واستهلت المراكب حركتها على صفحة المياه
وانغمس الأوز في البحيرة من جديد بهجة وسروراً

وبدأت الطيور تتهامس في السماء معلنة عودة البهجة لربوع المدينة
لتتنفس من بعدها لوزيرن الصعداء .. وتنطلق في بهجة وسرور .. بعد أن سرت فيها الحياة من جديد ..


